التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥١ - سورة البقرة(٢) آية ٢٠٤
[٢/ ٥٨١٠] و أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، قال: لمّا أصيبت السريّة الّتي كان فيها عاصم و مرثد، بالرجيع، قال رجال من المنافقين: يا ويح هؤلاء المفتونين، الّذين هلكوا هكذا؛ لا هم قعدوا في أهليهم و لا هم أدّوا رسالة صاحبهم، فأنزل اللّه تعالى من قول المنافقين و ما أصاب أولئك النفر من الخير الّذي أصابهم، فقال: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي لما يظهر من القول بلسانه.
قال أبو محمّد: و روي عن مجاهد و عطاء أنّهما قالا: علانيته في الدنيا.
[٢/ ٥٨١١] و أخرج عن حمزة بن جميل الرّبذي عن أبي معشر عن محمّد بن كعب القرظي، قال:
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ للّه عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، و قلوبهم أمرّ من الصبر، لبسوا للعباد مسك الضأن من اللّين[١]، يجتلبون الدنيا بالدين[٢]. فيقول اللّه تعالى: أ عليّ تجترءون، و بي تفترّون! و عزّتي لأبعثنّ عليهم فتنة تدع الحليم فيهم حيرانا».
قيل لأبي حمزة[٣]: هل لهؤلاء في كتاب اللّه وصف؟ قال: نعم، قول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إلى قوله: وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ[٤].
[٢/ ٥٨١٢] و أخرج أبو إسحاق الثعلبي عن الكلبي و السّدّي و مقاتل و عطاء، قالوا: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني أبي زهرة و اسمه أبيّ، و سمّي بالأخنس لأنّه خنس[٥] يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد تولّوا الجحفة[٦] و قال لهم:
يا بني زهرة إنّ محمّدا ابن أخيكم، فإن يكن صادقا فلن تغلبوه و كنتم أسعد الناس بصدقه، و إن يك كاذبا فإنّكم أحقّ من كفّ عنه لقرابتكم، و كفتكم إيّاه أوباش العرب[٧].
قالوا: نعم الرأي رأيت، فسر لما شئت فنتّبعك! فقال: إذا نودي الناس في الرحيل فإنّي أخنس
[١] مسك الضأن: جلده. و في نسخة يلبسون جلود الضأن و يتشبّهون بالرهبان( الدرّ ١: ٥٧٢).
[٢] و في نسخة: يجترّون الدنيا بالدين. و في أخرى: يشترون الدنيا بالدنيا. و الجميع بمعنى.
[٣] كنية محمّد بن كعب. قال ابن كثير: ما قاله القرظي حسن صحيح.( ١: ٢٥٣).
[٤] ابن أبي حاتم ٢: ٣٦٣- ٣٦٤؛ الطبري ٢: ٤٢٦- ٤٢٧؛ الترمذي ٤: ٣٠/ ٢٥١٦؛ شعب الإيمان ١: ٤٢٦- ٤٢٧؛ سنن سعيد بن منصور ٣: ٨٢٩- ٨٣٠/ ٣٦١.
[٥] خنس عنه: تنحّى عنه و تأخّر، خذله.
[٦] أي جاوزوه و خلّفوه وراء ظهرهم.
[٧] أي سفلة الناس و أخلاطهم، ممّن لا أصل له معروفا.