التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٦ - هل بإمكان النظريات العلمية المساعدة على فهم القرآن؟
يقول القرآن الكريم: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ[١]. ثمّ توجد نظريّة في النشوء و الارتقاء ل «والاس» و «دارون» تفرض أنّ الحياة بدأت خليّة واحدة، و أنّ هذه الخليّة نشأت في الماء، و أنّها تطوّرت حتّى انتهت إلى خلق الإنسان. فنحمل نحن هذا النصّ القرآنيّ و نلهث وراء النظريّة، لنقول: هذا هو الّذي عناه القرآن!!!
لا، إنّ هذه النظريّة أوّلا ليست نهائيّة؛ فقد دخل عليها من التعديل في أقلّ من قرن من الزمان ما يكاد يغيّرها نهائيّا، و قد ظهر فيها من النقص المبنيّ على معلومات ناقصة عن وحدات الوراثة الّتي تحفظ لكلّ نوع بخصائصه، و لا تسمح بانتقال نوع إلى نوع آخر، ما يكاد يبطلها و هي معرضة غدا للنقض و البطلان. بينما الحقيقة القرآنيّة نهائيّة، و ليس من الضروريّ أن يكون هذا معناها، فهي تثبت فقط أصل نشأة الإنسان و لا تذكر تفصيلات هذه النشأة، و هي نهائيّة في النقطة الّتي تستهدفها و هي، أصل النشأة الإنسانيّة. و كفى. و لا زيادة.
و يقول القرآن الكريم: وَ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها[٢]. فيثبت حقيقة نهائيّة عن الشمس و هي: أنّها تجري. و يقول العلم: إنّ الشمس تجري بالنسبة لما حولها من النجوم بسرعة قدّرت بنحو ١٢ ميلا في الثانية. و لكنّها في دورانها مع المجرّة الّتي هي واحدة من نجومها تجري جميعا بسرعة ١٧٠ ميلا في الثانية. و لكن هذه الملاحظات الفلكيّة ليست هي عين مدلول الآية القرآنيّة.
إنّ هذه تعطينا حقيقة نسبيّة غير نهائيّة قابلة للتعديل أو البطلان. أمّا الآية القرآنيّة فتعطينا حقيقة نهائيّة- في أنّ الشمس تجري- و كفى. فلا نعلّق هذه بتلك أبدا!
و يقول القرآن الكريم: أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما[٣]. ثمّ تظهر نظريّة تقول: إنّ الأرض كانت قطعة من الشمس فانفصلت عنها، فنحمل النصّ القرآني و نلهث لندرك هذه النظريّة العلميّة، و نقول: هذا ما تعنيه الآية القرآنيّة؟
لا، ليس هذا هو الّذي تعنيه! فهذه نظريّة ليست نهائيّة؛ و هناك عدّة نظريّات عن نشأة الأرض في مثل مستواها من ناحية الإثبات العلميّ! أمّا الحقيقة القرآنيّة فهي نهائيّة و مطلقة. و هي تحدّد فقط أنّ الأرض فصلت عن السماء، كيف؟ ما هي السماء الّتي فصلت عنها؟ هذا ما لا تتعرّض له
[١] المؤمنون ٢٣: ١٢.
[٢] يس ٣٦: ٣٨.
[٣] الأنبياء ٢١: ٣٠.