التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١١ - سورة البقرة(٢) آية ١٩٥
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ١٩٥]
وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)
و هذا التذييل لآيات القتال، ينبئك عن أهمّيّة دور المال في تشييد بناء الجماعة المسلمة، جنبا إلى جنب الرجال الأكفاء. فإنّ الجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال، و لقد كان المجاهد المسلم آنذاك يجهّز نفسه بعدّة القتال و مركب القتال و زاد القتال، لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة و الجند، إنّما كان هناك تطوّع بالنفس و تطوّع بالمال، و هذا ما تصنعه العقيدة حين تقوم عليها النّظم؛ إنّها لا تحتاج حينذاك أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها، إنّما يتقدّم الجند و يتقدّم القادة متطوّعين ينفقون هم عليها!
و لكنّ كثيرا من فقراء المسلمين الراغبين في الجهاد، و الذود عن منهج اللّه و راية العقيدة، لم يكونوا يجدون ما يزوّدون به أنفسهم، و لا ما يتجهّزون به من عدّة الحرب و مركب الحرب، و كانوا يأتون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يطلبون أن يحملهم إلى ميدان المعركة البعيد الّذي لا يبلغ على الأقدام، فإذا لم يجد ما يحملهم عليه تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ[١].
و من ثمّ كثرت التوجيهات القرآنيّة و النبويّة إلى الإنفاق في سبيل اللّه، الإنفاق لتجهيز الغزاة، و قد صاحبت الدعوة إلى الجهاد، الدعوة إلى الإنفاق في معظم المواضع.
[٢/ ٥٣١٤] أخرج ابن جرير عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن قوله: وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال: يقول: أنفقوا في سبيل اللّه ما قلّ و كثر. قال: و قال لي عبد اللّه بن كثير: نزلت في النفقة في سبيل اللّه[٢].
[٢/ ٥٣١٥] و أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان، في قوله تعالى: وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال: في طاعة اللّه[٣].
[١] التوبة ٩: ٩٢.
[٢] الطبري ٢: ٢٧٦/ ٢٥٨٧.
[٣] ابن أبي حاتم ١: ٣٣٠/ ١٧٤٣.