التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٩ - سورة البقرة(٢) آية ١٩١
أ لا تسمع ما ذكر اللّه في كتابه: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ[١]. فما يمنعك أن لا تقاتل[٢] كما ذكر اللّه في كتابه!؟
فقال: يا ابن أخي، أعيّر بهذه الآية و لا أقاتل، أحبّ إليّ من أن أعيّر بهذه الآية الّتي يقول اللّه تعالى:
وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها[٣]. قال: فإنّ اللّه يقول: وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ! قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ كان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه؛ إمّا يقتلوه و إمّا يوثّقوه[٤]، حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنة!
فلمّا رأى [الرجل] أنّه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في عليّ و عثمان؟[٥]
قال ابن عمر: ما قولي في عليّ و عثمان؟ أمّا عثمان فكان اللّه قد عفا عنه. و أمّا عليّ فابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ختنه[٦]، و أشار بيده. و قال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و في رواية النسائى: «و لكن انظر إلى منزلته من نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليس في المسجد غير بيته، حيث ترون»[٧].
[٢/ ٥٢٨٧] و أخرج عن سعيد بن جبير، قال: خرج إلينا ابن عمر، فقال له رجل: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: و هل تدري ما الفتنة؟ كان محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقاتل المشركين، و كان الدخول عليهم فتنة، و ليس كقتالكم على الملك.[٨] يشير إلى ما خاضه ابن الزبير و آل أميّة في قتال دام لا شأن له
[١] الحجرات ٤٩: ٩.
[٢] أي ما يمنعك من الجهاد بأن لا تقاتل. قال ابن حجر:« لا» زائدة. و قد تقدّم تقريره في تفسير سورة الأعراف عند قوله:
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ.( فتح الباري ٨: ٢٣٢).
[٣] النساء ٤: ٩٣.
[٤] قال ابن حجر: إسقاط النون من غير جازم و لا ناصب ثابت في اللغة و شائع. و يروى بإثبات النون أيضا.( فتح الباري ٨:
٢٣٣).
[٥] قال ابن حجر: يبدو أنّ السائل كان من الخوارج، فإنّهم كانوا يتوالون الشيخين و يحطّون عثمان و عليّا، فردّ عليه ابن عمر بذكر مناقبهما و منزلتهما من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الاعتذار عمّا عابوا به عثمان من الفرار يوم أحد، بأنّ اللّه عفى عنه. قال: و قد عابوه فراره يوم أحد، و غيابه عن بدر و عن بيعة الرضوان.
[٦] الختن: زوج الابنة.
[٧] البخاري ٥: ١٥٧. و صحّحنا الحديث و أكملناه على شرح ابن حجر في الفتح ٨: ٢٣٣.
[٨] البخاري ٥: ٢٠٠، و ٨: ٩٥.