التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - ملاحظات
و كذا قوله: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ[١] فقد كانت الطيّبات محلّلة منذ يومها الأوّل. و هذا ليس إلّا لبيان أنّ الشرع إنّما يحلّل الطيّبات و يحرّم الخبائث. وفقا للفطرة و العقل السليم، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ[٢]. أي يبيّن لهم أنّ هذا حلال في ذاته و ذاك حرام. و الذاتي قديم في أصله، و نظير هذا كثير في القرآن من غير أن تكون لها و لا إشارة إلى سابق حكم كان يضادّه.
نعم، قد يأتي مثل هذا التعبير عند زعم الخلاف، دفعا لتوهّم الحظر، حسب مصطلحهم. و لعلّ منه قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ حيث العموم في الآية قبلها: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ و من ثمّ جاء التفصيل هنا: وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً، و هذا التفصيل تبيين لذلك الإجمال في ظاهر العموم.
و هنا و في مجال الصوم لعلّهم توهّموا الحظر، فأخذوا بالاحتياط في الأمر. فجاءهم التنبيه على الترخيص، و أن لا تكليف شاقّا في شريعة الإسلام.
*** و ربما يشهد لصحّة هذا التأويل، التعبير الوارد في الروايات: أنّ جماعة من المسلمين كانوا امتنعوا من الرفث و المآكل ليلا و لم يرد أنّهم كانوا منعوا من ذلك ثمّ أبيح لهم!؟
[٢/ ٥١٧٨] أخرج وكيع و عبد بن حميد و البخاري و أبو داود و الترمذي و النحّاس في ناسخه و ابن جرير و ابن المنذر و البيهقي في سننه عن البراء بن عازب قال: كان أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته و لا يومه حتّى يمسي، و إنّ قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، فكان يومه ذاك يعمل في أرضه، فلمّا حضر الإفطار أتى امرأته فقال:
هل عندك طعام؟ قالت: لا، و لكن أنطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام، و لمّا جاءت امرأته و رأته نائما قالت: خيبة لك أنمت! فلمّا انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى قوله: مِنَ الْفَجْرِ ففرحوا بها فرحا شديدا[٣].
[١] المائدة ٥: ٥.
[٢] الأعراف ٧: ١٥٧.
[٣] الدرّ ١: ٤٧٥؛ البخاري ٢: ٢٣٠- ٢٣١؛ أبو داود ١: ٥١٩/ ٢٣١٤، باب ١؛ الترمذي ٤: ٢٧٨- ٢٧٩/ ٤٠٤٨؛- الطبري ٢: ٢٢٤/ ٢٤١١؛ البيهقي ٤: ٢٠١؛ الدارمي ٢: ٥؛ مسند أحمد ٤: ٢٩٥؛ الثعلبي ٢: ٧٩- ٨٠؛ البغوي ١: ٢٢٩/ ١٥٨؛ أبو الفتوح ٣: ٥٥.