التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٥ - سورة البقرة(٢) آية ٢٢٤
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٥]
وَ لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَ تَتَّقُوا وَ تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)
هناك كانت عادة جاهليّة سيّئة: كانوا إذا أرادوا الامتناع من فعل خير، أو عدم الإحجام في فعل شرّ، حلفوا أيمانا مغلّظة على ما أرادوا تركه أو فعله، ليجعلوا الأيمان عرضة لتوجّه اللّائمة، و عذرا يتذرّعون إليه، و بذلك كانوا يحسبون من أنفسهم طلقا عن كلّ لائمة تتوجّه إليهم.
فكانوا إذا كرهوا امرأة من نسائهم حلفوا هجرانها، و يحسبونه عذرا يصرف عنهم اللّائمة!
[٢/ ٦٥٧٠] قال ابن عبّاس و كثير من السلف أتباعه: لا تجعلنّ عرضة يمينك أن لا تصنع الخير، و لكن كفّر عن يمينك و اصنع الخير[١].
[٢/ ٦٥٧١] و في حديث أبي هريرة فيما رواه مسلم: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فيكفّر عن يمينه، و ليفعل الّذي هو خير»[٢].
[٢/ ٦٥٧٢] و فيما رواه البخاري: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و اللّه لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله، آثم له عند اللّه من أن يعطي كفّارته الّتي افترض اللّه عليه»[٣].
و على هذا يكون معنى الآية: لا تجعلوا الحلف باللّه سدّا مانعا دون عمل البرّ و التقوى و الإصلاح بين الناس، فلو كنتم حلفتم أن لا تفعلوا شيئا من ذلك- لأسباب وقتيّة كانت و هاجت لوقتها- فكفّروا عن أيمانكم و أتوا الخير. فتحقيق البرّ و الإصلاح و اتّقاء الفساد، أولى بالرعاية من المحافظة على مجرّد يمين، ربّما صدرت لا عن قصد جدّ، وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ سميع لأقوالكم،
[١] ابن أبي حاتم ٢: ٤٠٧/ ٢١٤٥؛ الطبري ٢: ٥٤٥/ ٣٤٨٩.
[٢] مسلم ٥: ٨٨؛ الدرّ ١: ٦٤٢؛ كنز العمّال ١٦: ٧٠٥/ ٤٦٤٣٦.
[٣] البخاري ٧: ٢١٧؛ و رواه أحمد في المسند ٢: ٣١٧؛ و ابن ماجة ١: ٦٨٣/ ٢١١٤، باب ١١.