التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٤ - ما ورد في فضل أيام الحج و ترغيب الدعاء فيها و عرض المسألة
تعبيرها. ليست الآية بصدد بيان غفران ذنوب الحاجّ- و إن كان مغفورا له بلا ريب، إذا كان قد أتى اللّه بقلب سليم- غير أنّ الآية، بملاحظة موضعها الخاصّ، تعني الرخصة و رفع الحرج عمّن تعجّل أو تأخّر، حيث كلا الأمرين لا حرج فيه.
هذا من جهة، و من جهة أخرى جاءت لتقيّد الرخصة في التعجّل بمن اتّقى في حجّه. أي أو تأخّر، حيث كلا الأمرين لا حرج فيه.
واظب على أداء المناسك وفق ما أمره اللّه. و هذا مطلق في جميع فروض الحجّ و تروكه. أمّا حمله على إرادة ملازمة التقوى فيما سبق من أيّام عمره أو فيما لحق، فهذا يأباه السياق و ترفضه المناسبة القائمة بين أجزاء الكلام.
فقوله تعالى: لِمَنِ اتَّقى عامّ من جهة و خاصّ من جهة. عامّ من جهة إرادة عموم تروك الإحرام. و خاصّ من جهة إرادة ملازمة التقوى أيّام إحرامه.
و كلّ ذاك العموم و هذا الخصوص مستفاد من لحن الآية و من سياقها الخاصّ و رعاية المناسبة القائمة بين أجزاء الكلام.
و قد عرفت كلام الزمخشري الآنف- و هو العارف بأساليب الكلام-: «أي ذلك التخيير و نفي الإثم عن المتعجّل و المتأخّر لأجل الحاجّ المتّقي، لئلّا يتخالج في قلبه شيء منهما؛ فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأنّ ذا التقوى حذر متحرّز من كلّ ما يريبه، و لأنّه هو الحاجّ على الحقيقة عند اللّه»[١].
أي لا ينبغي للحاجّ المتّقي أن يتخالج في نفسه التأثّم من التعجّل أو التأخّر. لأنّه بفضل تقواه سار على منهج قويم في أداء مناسكه. فهذا لا حرج عليه، سواء تعجّل في يومين أم تأخّر. أي أنّ هذه الفسحة إنّما هي لمن لزم التقوى في حجّه. و ليست لمن ركب المعاصي، و لزمته كفّارة معاصيه، و منها منعه من النفر الأوّل، و إلزامه البقاء حتّى النفر الأخير، كفّارة لما سبق منه من التورّط و التفريط.
[٢/ ٥٧٧٨] روى العيّاشيّ بالإسناد إلى حمّاد بن عثمان عن الإمام الصادق عليه السّلام في قوله: لِمَنِ اتَّقى، قال: «فإن ابتلي بشيء من الصيد ففداه، فليس له أن ينفر في يومين»[٢].
[١] الكشّاف ١: ٢٥٠.
[٢] العيّاشيّ ١: ١١٩/ ٢٨٧؛ البرهان ٢: ٤٤٧/ ٢٥.