التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٢ - الدنيا رحاب الآخرة
من جهد لبلوغ السعادة في الدارين. فلن يفوت أحدا جهده و لا يضيع شيء من مساعيه.
الدنيا رحاب الآخرة
نعم، الإسلام لا يريد من المؤمنين أن يدعوا أمر الدنيا، فهم خلقوا للخلافة فيها[١] و لعمارة الأرض[٢]. و لكنّه تعالى يريد منهم أن يتّجهوا إلى اللّه في جميع شئونهم الدنيويّة و الأخرويّة، و أن لا يضيّقوا من آفاقهم، فيجعلوا من الدنيا سورا يحصرهم فيها. إنّه يريد أن يطلق الإنسان في أسوار هذه الأرض الصغيرة، فيعمل فيها، و هو أكبر منها و أرقى. و يزاول الخلافة و هو متّصل بالأفق الأعلى.
و من ثمّ تبدو الاهتمامات القاصرة على هذه الأرض، ضئيلة هزيلة، حين ينظر إليها الإنسان من قمّة التصوّر الإسلاميّ الشامخة.
[٢/ ٥٥٨١] قال الإمام أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام: «اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات[٣]: ساعة لمناجاة اللّه. و ساعة لأمر المعاش. و ساعة لمعاشرة الإخوان الثقات و الّذين يعرّفونكم عيوبكم و يخلصون لكم في الباطن. و ساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرّم. و بهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات».
قال: «اجعلوا لأنفسكم حظّا من الدنيا، بإعطائها ما تشتهي من الحلال، و ما لا يثلم المروّة، و ما لا سرف فيه». قال: «و استعينوا بذلك على أمور الدين».
ثمّ قال: «فإنّه نروي[٤]: ليس منّا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه»[٥].
و قال: «من سلّط ثلاثا على ثلاث، فكأنّما أعان هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله. و محى طرائف حكمته بفضول كلامه. و أطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنّما أعان
[١] البقرة ٢: ٣٠.
[٢] هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها( هود ١١: ٦١).
[٣] أي قسّموا أوقاتكم إلى أربع، فقسط للعبادة. و قسط لكسب المعاش. و قسط لمعاشرة الإخوان. و قسط للذّات الحياة.
و ليس المراد مساواة الأقساط، بل مجرّد أن يجعل لكلّ شأن من شئونه فراغا يخصّه.
[٤] أي نروي عن آبائنا عليهم السّلام.
[٥] تحف العقول: ٤٠٩- ٤١٠؛ البحار ٧٥: ٣٢١/ ١٨. و قابلناه مع فقه الرضا.