التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨١ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٩
تلقّته جديدا مرتبطا بالتصوّر الجديد؛ إذ ليس من الحتم أن يبطل النظام الجديد كلّ جزئيّة في النظام القديم، و لكن من المهمّ أن ترتبط هذه الجزئيّات بأصل التصوّر الجديد، لتصبح جزءا منه، داخلا في كيانه، متناسقا مع سائر أجزائه.
و جهة ثالثة تؤخذ من تاريخ هذه الفترة، و قيام اليهود في المدينة و المشركين في مكّة، بين الحين و الحين بمحاولة التشكيك في قيمة النّظم الإسلاميّة، و انتهاز كلّ فرصة للقيام بحملة مضلّلة على بعض التصرّفات و الأحداث، ممّا كان يستدعي بروز بعض الاستفهامات و الإجابة عليها، بما يقطع الطريق على تلك المحاولات، و يسكب الطمأنينة و اليقين في قلوب المسلمين.
و معنى ذلك، أنّ القرآن كان دائما في المعركة، سواء تلك المعركة الناشئة في القلوب بين تصوّرات الجاهليّة و تصوّرات الإسلام، و المعركة الناشئة في الجوّ الخارجيّ بين الجماعة المسلمة و أعدائها الّذين يتربّصون بها من كلّ جانب!
و ممّا يسترعي الالتفات أنّ هذه المعركة كتلك ما تزال قائمة؛ فالنفس البشريّة هي النفس البشريّة، و أعداء الأمّة المسلمة هم أعداؤها و القرآن حاضر، و لا نجاة للنفس البشريّة و لا للأمّة المسلمة، إلّا بإدخال هذا القرآن في المعركة، ليخوضها حيّة كاملة، كما خاضها أوّل مرّة. و ما لم يستيقن المسلمون من هذه الحقيقة، فلا فلاح لهم و لا نجاح!
و أقلّ ما تنشئه هذه الحقيقة في النفس، أن تقبل على هذا القرآن بهذا الفهم و هذا الإدراك و هذا التصوّر، أن تواجهه و هو يتحرّك و يعمل و ينشئ التصوّر الجديد، و يقاوم تصوّرات الجاهليّة، و يدفع عن هذه الأمّة، و يقيها العثرات. لا كما يواجهه الناس اليوم، نغمات حلوة ترتّل، و كلاما جميلا يتلى، و ينتهي الأمر!! إنّه لأمر غير هذا نزّل اللّه القرآن. لقد نزّله لينشئ حياة كاملة، و يحرّكها، و يقودها إلى شاطئ الأمان بين الأشواك و العثرات، و مشقّات الطريق، الّتي تتناثر فيها الشهوات كما تتناثر فيها العقبات. و اللّه المستعان![١]
*** و الآن نواجه النصّ القرآني في هذا المجال: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ.
[١] في ظلال القرآن، ١: ٢٥٦- ٢٥٨.