التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٠ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٢
و إن هو إلّا عقاب اللّه، لمن يحيد عن منهجه، و لا يستمع لدعوته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
و إنّ الإيمان الواثق لنعمة اللّه على عباده، لا يبدّلها مبدّل حتّى يحيق به ذلك العقاب. و العياذ باللّه[١].
قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا و في ظلّ هذا التحذير من التلكّؤ في الاستجابة، و التبديل بعد النعمة، يذكر حال الّذين كفروا، و حال الّذين آمنوا، و يكشف عن الفرق بين ميزان الّذين كفروا و ميزان الّذين آمنوا للقيم و الأحوال و الأشخاص:
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا بأعراضها الزهيدة و اهتماماتها الصغيرة، فوقفوا عندها لا يتجاوزونها، و لا يمدّون بأبصار إلى شيء وراءها، و لا يعرفون قيما أخرى غير قيمها.
فالّذي يقف عنده حدود هذه الحياة الدنيا، لا يمكن أن يسمو تصوّره إلى تلك الاهتمامات الرفيعة الّتي يحفل بها المؤمن، و يمدّ إليها بصره في آفاقها البعيدة. إنّ المؤمن قد يحتقر أعراض هذه الحياة كلّها، لا لأنّه أصغر منها همّة أو أضعف منها طاقة، و لا لأنّه سلبي لا ينمي الحياة و لا يرقيها.
و لكن لأنّه ينظر إليها من عل- مع قيامه بالخلافة فيها، و إنشائه للعمران و الحضارة، و عنايته بالنماء و الإكثار- فينشد من حياته ما هو أكبر من هذه الأعراض و أغلى، ينشد منها أن يقرّ في الأرض منهجا. و أن يقود البشريّة إلى ما هو أرفع و أكمل، و أن يركّز راية اللّه فوق هامات الأرض و الناس، ليتطلّع إليها البشر في مكانها الرفيع، و ليمدّوا بأبصارهم وراء الواقع الزهيد المحدود، الّذي يحيى له من لم يهبه الإيمان رفعة الهدف، و ضخامة الاهتمام، و شمول النظرة.
و ينظر الصغار المفارقون في وحل الأرض، المستبعدون لأهداف الأرض، ينظرون للّذين آمنوا، فيرونهم يتركون لهم و حلهم و سفسافهم و متاعهم الزهيد، ليحاولوا آمالا كبارا لا تخصّهم وحدهم، و إنّما البشريّة جمعاء.
و من ثمّ وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا: كيف تركوا الخير العاجل لخير آجل. و زهدوا فيما
[١] في ظلال القرآن ١: ٣٠٨- ٣٠٩.