التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٣ - من يجوز له جمع العساكر و الجهاد
و قيصر و غير أهل مكّة من قبائل العرب سبيل، لأنّ الذين ظلموهم غيرهم، و إنّما أذن لهم في قتال من ظلمهم من أهل مكّة لإخراجهم إيّاهم من ديارهم و أموالهم بغير حقّ، و لو كانت الآية إنّما عنت المهاجرين الّذين ظلمهم أهل مكّة، كانت الآية مرتفعة الفرض عمّن بعدهم إذ لم يبق من الظالمين و المظلومين أحد و كان فرضها مرفوعا عن الناس بعدهم إذا لم يبق من الظالمين و المظلومين أحد و ليس كما ظننت و لا كما ذكرت، لكن المهاجرين ظلموا من جهتين: ظلمهم أهل مكّة بإخراجهم من ديارهم و أموالهم فقاتلوهم بإذن اللّه لهم في ذلك، و ظلمهم كسرى و قيصر و من كان دونهم من قبائل العرب و العجم بما كان في أيديهم ممّا كان المؤمنون أحقّ به منهم، فقد قاتلوهم بإذن اللّه عزّ و جلّ لهم في ذلك، و بحجّة هذه الآية يقاتل مؤمنو كلّ زمان.
و إنّما أذن اللّه عزّ و جلّ للمؤمنين الّذين قاموا بما وصف اللّه عزّ و جلّ من الشرائط الّتي شرطها اللّه عزّ و جلّ على المؤمنين في الإيمان و الجهاد و من كان قائما بتلك الشرائط فهو مؤمن و هو مظلوم و مأذون له في الجهاد بذلك المعنى، و من كان على خلاف ذلك فهو ظالم و ليس من المظلومين، و ليس بمأذون له في القتال، و لا بالنهي عن المنكر و الأمر بالمعروف، لأنّه ليس من أهل ذلك، و لا مأذون له في الدعاء إلى اللّه عزّ و جلّ لأنّه ليس يجاهد مثله، و أمر بدعائه إلى اللّه. و لا يكون مجاهدا من قد أمر المؤمنون بجهاده و خطر الجهاد عليه و منعه منه، و لا يكون داعيا إلى اللّه عزّ و جلّ من أمر بدعائه مثله إلى التوبة و الحقّ و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و لا يأمر بالمعروف من قد أمر أن يؤمر به، و لا ينهى عن المنكر من قد أمر أن ينهى عنه، فمن كانت قد تمّت فيه شرائط اللّه عزّ و جلّ الّتي وصف بها أهلها من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو مظلوم فهو مأذون له في الجهاد، كما أذن لهم في الجهاد، لأنّ حكم اللّه عزّ و جلّ في الأوّلين و الآخرين و فرائضه عليهم سواء إلّا من علّة أو حادث يكون، و الأوّلون و الآخرون أيضا في منع الحوادث شركاء، و الفرائض عليهم واحدة، يسأل الآخرون من أداء الفرائض عمّا يسأل عنه الأوّلون، و يحاسبون عمّا به يحاسبون، و من لم يكن على صفة من أذن اللّه له في الجهاد من المؤمنين فليس من أهل الجهاد و ليس بمأذون له فيه حتّى يفيء بما شرط اللّه عزّ و جلّ فإذا تكاملت فيه شرائط اللّه عزّ و جلّ، على المؤمنين و المجاهدين فهو من المأذونين لهم في الجهاد، فليتّق اللّه عزّ و جلّ عبد و لا يغترّ بالأماني الّتي نهى اللّه عزّ و جلّ عنها من هذه الأحاديث الكاذبة على اللّه الّتي يكذّبها القرآن، و يتبرّأ منها و من حملتها و رواتها، و لا يقدم على اللّه عزّ و جلّ بشبهة لا يعذر بها، فإنّه ليس وراء المتعرض