التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٠ - سورة البقرة(٢) آية ٢٠٤
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٧]
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)
في هذا المقطع من الآيات نجد ملامح واضحة لنموذجين من نماذج البشر: نموذج المرائي الشرير، الذّلق اللسان، الّذي يحسب من شخصه محورا لكلّ المقوّمات الإنسانية النبيلة، و الّذي يعجبك مظهره و يسوؤك مخبره. فإذا دعي إلى الصلاح و تقوى اللّه، نفر و اشرأبّ بنفسه و أخذته العزّة بالإثم، و من ثمّ استنكف للرضوخ إلى الحقّ الصّراح، و هام في طريقه ليفسد في الأرض و يهلك الحرث و النسل، اعتلاء و استكبارا، لا يلوي على شيء، فهذا مصيره إلى جهنّم و بئس المهاد.
و الآخر: نموذج المؤمن الصادق، الآخذ في طريق الصلاح و الإصلاح، باذلا نفسه في سبيل مرضاة اللّه، و يسعى له سعيه من غير كسل و لا فتور، متوجّها بكلّيته إلى اللّه تعالى عبر الحياة. و هذا هو الّذي سلك سبيل الرشاد، و اللّه رءوف بالعباد.
[٥٨٠٩/ ٢] أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن السّدّي في قوله: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ الآية. قال: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، أقبل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المدينة و قال: جئت أريد الإسلام، و يعلم اللّه أنّي لصادق! فأعجب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذلك منه، فذلك قوله:
وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ. ثمّ خرج من عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فمرّ بزرع لقوم من المسلمين و حمر، فأحرق الزرع و عقر الحمر، فأنزل اللّه: وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ الآية[١].
[١] الدرّ ١: ٥٧٢؛ الطبري ٢: ٤٢٥/ ٣١٤٠؛ ابن أبي حاتم ٢: ٣٦٤- ٣٦٥/ ١٩١٣- ١٩١٧؛ الثعلبي ٢: ١٢٠؛ مجمع البيان ٢: ٥٥، بلفظ: قال السّدّي: نزلت في الأخنس بن شريق، و كان يظهر الجميل بالنبيّ و المحبّة له و الرغبة في دينه و يبطن خلاف ذلك؛ التبيان ٢: ١٧٨.