التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٩ - فرضية الإحباط في خطوات
مثوبات كان يستحقّها المحسن إزاء أعماله الحسنة، بمجرّد سيّئة فرطت منه لشهوة عابرة أو أسباب أخر وافته عفوا من غير أن يكون قد أصرّ عليها أو هاتكا لحريم مولاه عن قصد خبيث!؟
نعم لو كنّا نقول بأنّ المؤمن إذا عصى خرج عن الإيمان- كما يقوله المعتزلة و يثبتون له منزلة بين المنزلتين- لكان لهذا الاحتمال الباطل مجال، لكنّا رفضنا هذا الرأي، و أنّ الفاسق- عندنا- باق على إيمانه ما لم يجحد أو ينكر الرسالة. و من ثمّ فهو كما يستحقّ مذمّة و عقابا على معصيته، كذلك يستحقّ مدحا و ثوابا على ثباته على الإيمان و سائر أعماله الصالحة. و لا تنافي بين الأمرين- حسبما تقدّم- فيعاقب عقابا منقطعا ثمّ يثاب على الحسنات، إذا لم يشمله الغفران من البدء.
ثانيا: لازم تقييد المثوبات و اشتراطها بعدم لحوق سيّئة أبدا، هو اشتراط العصمة طول العمر كما في الأنبياء و الأئمّة المعصومين! و هل من العدل و الحكمة أن يشترط المولى الكريم، على عباده- الّذين خلقهم على درجات من ضعف و عجز تجاه نزعات و مشتهيات نفسيّة و غيرها من مغريات- أن لا يرتكبوا ذنبا طول حياتهم، كي يفوزوا بثواب ما يعملون من الصالحات؟! و هل هذا ممكن؟! و هل يمكن لأحد أن يتخرّج بالإيفاء بهذا الشرط بسلام؟!
ثالثا: منافاته لعموم الكتاب و السنّة و إطلاقهما من غير ما مخصّص أو مقيّد. قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ[١]. و هذا عامّ يشمل الأعمال الحسنة الّتي قام بها مرتكب السيّئة المتأخّرة أيضا.
و هكذا قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً[٢].
و العقل يرى من الظلم أن تمحق سيّئة واحدة لا حقة، حسنات تقدّمتها، و اللّه لا يبخس من حسنات العباد حتّى مثقال ذرّة منها، فكيف بالحسنات الجسام؟ بل و من فضله و لطفه بعباده أن يضاعف حسناتهم على الإطلاق، سواء أ كانت سابقة على السيّئة أم لا حقة! هذا ما يفيده إطلاق الآية و لا مقيّد لها، على ما سنذكر.
رابعا: منافاته لقانون التناسب بين الذنب و العقاب، و قد قال تعالى: وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ[٣]. و قال: وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها[٤]. و قال:
[١] الزلزلة ٩٩: ٧.
[٢] النساء ٤: ٤٠.
[٣] الأنعام ٦: ١٦٠.
[٤] يونس ١٠: ٢٧.