التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٣ - مقارنة بين القرآن و النظريات العلمية
للحياة يسمح للإنسان أن يستخدم كلّ طاقاته، و من بينها طاقاته العقليّة، الّتي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة، و إطلاق المجال لها لتعمل- بالبحث العلمي- في الحدود المتاحة للإنسان- و بالتجريب و التطبيق- و تصل إلى ما تصل إليه من نتائج، و ليست نهائيّة و لا مطلقة بطبيعة الحال.
إنّ مادّة القرآن الّتي يعمل فيها، هي الإنسان ذاته، تصوّره و اعتقاده و مشاعره و مفهوماته، و سلوكه و أعماله، و روابطه و علاقاته. أمّا العلوم المادّيّة، و الإبداع في عالم المادّة بشتّى وسائله و صنوفه، فهي موكولة إلى عقل الإنسان و تجاربه و كشوفه و فروضه و نظريّاته، بما أنّها أساس خلافته في الأرض، و ربما أنّه مهيّأ لها بطبيعة تكوينه. و القرآن يصحّح له فطرته كي لا تنحرف و لا تفسد، و يصحّح له النظام الّذي يعيش فيه كي يسمح له باستخدام طاقاته الموهوبة له، و يزوّده بالتصوّر التامّ لطبيعة الكون و ارتباطه بخالقه و تناسق تكوينه، و طبيعة العلاقة القائمة بين أجزائه- و هو أي الإنسان أحد أجزائه- ثمّ يدع له أن يعمل في إدراك الجزئيّات و الانتفاع بها في خلافته.
و لا يعطيه التفصيلات، لأنّ معرفة هذه التفصيلات جزء من عمله الذاتيّ.
قال سيّد قطب: و إنّي لأعجب لسذاجة المتحمّسين لهذا القرآن، الّذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه، و أن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه، و أن يستخرجوا منه جزئيّات في علوم الطبّ و الكيمياء و الفلك و ما إليها. كأنّما ليعظّموه بهذا و يكبّروه!
إنّ القرآن كتاب كامل في موضوعه، و موضوعه أضخم من تلك العلوم كلّها. لأنّه هو الإنسان ذاته، الّذي يكشف هذه المعلومات و ينتفع بها، و البحث و التجريب و التطبيق من خواصّ العقل في الإنسان. و القرآن يعالج بناء هذا الإنسان نفسه؛ بناء شخصيّته و ضميره و عقله و تفكيره، كما يعالج بناء المجتمع الإنساني الّذي يسمح لهذا الإنسان بأن يحسن استخدام هذه الطاقات المذخورة فيه، و بعد أن يوجد الإنسان السليم التصوّر و التفكير و الشعور، و يوجد المجتمع الّذي يسمح له بالنشاط، يتركه القرآن يبحث و يجرّب، و يخطئ و يصيب، في مجال العلم و البحث و التجريب، و قد ضمن له موازين التصوّر و التدبّر و التفكير الصحيح.
كذلك لا يجوز أن نعلّق الحقائق النهائيّة الّتي يذكرها القرآن أحيانا عن الكون، في طريقه لإنشاء التصوّر الصحيح لطبيعة الوجود و ارتباطه بخالقه، و طبيعة التناسق بين أجزائه. لا يجوز أن نعلّق هذه الحقائق النهائيّة الّتي يذكرها القرآن، بفروض العقل البشريّ و نظريّاته، و لا حتّى بما