التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٨ - نظرة في مختلف الآراء حول الآية
صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، بحيث لا ينحرفون و لا ينجرفون عبر الأبد!
نظرة في مختلف الآراء حول الآية
اختلف المفسّرون في تفسير الآية، ما ذا يكون المراد من هذا التوحّد الجماعي في سابق حياة الإنسان، هل كانوا اجتمعوا على هداية شاملة أم على ضلال مطبق. و ممّ حدث اختلافهم فيما بعد، حتّى دعت الحاجة إلى تشريع دعوة الجمع و الائتلاف من جديد؟
ذهب أكثر المحقّقين إلى أنّ الناس في عهدهم الأوّل كانوا على سذاجة من العيش و على بساطة من الحياة الاجتماعيّة يومذاك، يعيشون وفق فطرتهم الأولى، سليمة و متآلفة، و في تعاضد و تكافل جماعيّ هنيء. حيث قلّة الجماعة و وفرة وسائل المعيشة على وجه البسيطة. فلا موجب للتنازع و التكالب على معايش الحياة.
لكن بعد أن تعقّدت الحياة و تنوّعت المآرب و أخذت تزدحم المطامع و الرغبات، فعند ذلك جعلت حسكة الشقاق و الافتراق تأخذ مساربها في الوجود، و تنمو و تغلظ جذورها في الأعماق.
الأمر الّذي دعا بساحة لطفه تعالى أن يعود عليهم بالإشفاق و الإرفاق، لتشملهم عنايته الخاصّة، بإيقافهم على معالم السعادة في الحياة، و ليأخذوا طريقهم من جديد إلى مناهج السلم و السّلام.
فتقدير الآية: أنّ الناس كانوا في عهدهم الأوّل عائشين في وحدة متكافلة، و في ظلّ فطرتهم الأولى سالمين غانمين، ثمّ اختلفوا، على أثر التوسّع في الحياة و تعقّد مآربها. و من ثمّ وقعت الحاجة إلى إمدادهم من الغيب، لغرض أوبتهم إلى فطرتهم الأولى من جديد.
و يتأيّد هذا التقدير بالتصريح به في آية أخري: وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا[١].
قال الإمام الرازي: و هذا يقتضي أنّ الأنبياء عليهم السّلام إنّما بعثوا حين الاختلاف. و كانت الآية الثانية شاهدة عليه. كما يتأكّد ذلك بقراءة ابن مسعود- و أكثرها لغرض التفسير و التبيين-: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ- إلى قوله- لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ[٢]. فكانت زيادة فَاخْتَلَفُوا لبيان أنّ البعث وقع بعد الاختلاف.
[١] يونس ١٠: ١٩.
[٢] التفسير الكبير ٦: ١١.