التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٩ - نظرة في مختلف الآراء حول الآية
قال: و تدلّ الآية على أنّ الناس كانوا في عهدهم الأوّل على طريقة الحقّ- وفق فطرتهم الأولى- ثمّ حصل شقاق و اختلاف، فجاء الأنبياء للفصل بين هذا الاختلاف و القضاء على ذاك التخاصم العارض.
قلت: و كما يدلّ عليه قوله تعالى: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ[١].
أي و لو شاء ربّك أن يجعل بني الإنسان كسائر الأحياء، ماضين على وتيرة واحدة، من غير تطوّر و لا تحوّل في الحياة، عائشين على ما فطرهم اللّه عليه من التصرّف المحدود، المخطّط لهم في جبلّتهم، كعيشة النحل و النمل و سائر الأحياء غير الإنسان، لكان الإنسان كغيره ذا محدوديّة في الحياة من غير إبداع أو تحوّل أو تغيير.
و لكن أين ذلك و بروز الاستعدادات و الطاقات الكامنة في وجود هذا الكائن، المتجهّز بأجهزة الرقيّ و الكمال. و الّذي جاء ليعمر الأرض و يتسخّر كلّ طاقات الوجود، الأعمّ من السفليّة و العلويّة، و التطلّع إلى آفاق الفضاء.
و من كان على هذا الوصف، فلا بدّ أن يحدث في حياته و في معايشه مع الآخرين بعض الاختلاف و التنازع و التشاجر في الأخذ و العطاء.
نعم، سوى من أنعم اللّه عليه بهدايته على يد أنبيائه العظام، و لذلك العطف و الإشفاق خلقهم ليرحمهم و ليمدّهم بيد غيبيّة و يهديهم إلى سبل السّلام.
*** و القول الثاني: أنّ الناس- على عهدهم الأوّل- كانوا على منهج الفطرة و طريقة العقل السليم، و كان الاعتراف بوجود الصانع تعالى رائدهم، و العمل بوظائف العبوديّة، اداء للشكر الواجب عليهم، قائدهم. كانوا يجتنبون القبائح و يبتعدون عن الرذائل، انبعاثا من صميم ذاتهم و سلامة طبعهم، انبعاثا من داخل الضمير.
قال الإمام الرازي: و هذا هو اختيار أبي مسلم و القاضي: كان الناس أمّة واحدة في التمسّك بالشرائع العقليّة، و هي الاعتراف بوجود الصانع و صفاته، و الاشتغال بخدمته و شكر نعمته،
[١] هود ١١: ١١٨- ١١٩.