التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٢ - وقفة حاسمة
بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ[١]. يعني: سرعان ما هدم بنيانهم و دمّره من قواعده، فخرّ عليهم السقف بعد هدم الأساس.
و من ثمّ جاء التكرير بلفظ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، تبيينا لإتيان البنيان من القواعد و السقف.
قال الطبرسي: و قيل: هذا مثل ضربه اللّه سبحانه لاستئصالهم، و لا قاعدة و لا سقف هناك و المعنى: فأتى اللّه مكرهم من أصله؛ أي عاد ضرر المكر عليهم و بهم. نظير قول العرب: أتي فلان من مأمنه، أي أتاه الهلاك من جهة مأمنه. قال: و إنّما أسند سبحانه الإتيان إلى نفسه، من حيث كان تخريب قواعدهم من جهته تعالى[٢].
و في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يهود بني النضير مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ[٣].
فقوله: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي داهمهم أمره تعالى و فاجأهم العذاب، عذاب مفارقة الديار و تحمّل مشاقّ الجلاء عن الأوطان. فقد كان ذلك قد سجّل عليهم لا مناص لهم منه.
و من ثمّ قذف في قلوبهم الرعب فكانوا يعبثون من غير دراية. قال تعالى: وَ لَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ أي هوانه و ذلّه لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بعذاب الاستئصال، كما فعل ببني قريظة[٤].
قال الراغب: الإتيان، مجيء بسهولة. و يقال للمجيء بالذات و بالأمر و بالتدبير. و يقال في الخير و في الشرّ، و في الأعيان و الأعراض. و قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ[٥]. و قوله: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ[٦] أي بالأمر و التدبير، نحو وَ جاءَ رَبُّكَ[٧].
قال: و على هذا النحو قول الشاعر: «أتيت المروءة من بابها». فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها[٨][٩].
[١] النحل ١٦: ٢٦.
[٢] مجمع البيان ٦: ١٥٠.
[٣] الحشر ٥٩: ٢.
[٤] مجمع البيان ٩: ٤٢٨.
[٥] النحل ١٦: ١.
[٦] النحل ١٦: ٢٦.
[٧] الفجر ٨٩: ٢٢.
[٨] النمل ٢٧: ٣٧.
[٩] المفردات: ٨- ٩.