التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٦ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢١٧ الى ٢١٨
نيّتهم و خطّتهم، بادية لافحة: وَ لا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا و لن يستطيعوا أبدا، ما دام المسلمون ثابتين على عقيدتهم، لم تزعزعهم العواصف.
أمّا و من وهنت عقيدته و كادت تزلّ قدمه، فإنّ مآله إلى الخسران الدائم، سواء في هذه الحياة، فيقضيها دنيئة و حقيرة. أم في الحياة الأخرى، حيث سوء المآب.
وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ و يزلّ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ بقاء مع الكفر حتّى الموت فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هدرت نهائيّا و خسروها خسرانا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ فوق ذلك: أنّ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. شملتهم اللعنة الأبديّة بلا أمد.
نعم إنّ القلب الّذي تذوّق الإسلام و تعرّفه، لا يمكن أن يرتدد عنه ارتدادا حقيقيّا، إلّا إذا كان عن وهن في عقيدته منذ البدء. ممّن عبد اللّه على حرف، فإن أصابه خير في ظاهر الأمر اطمأنّ به، و إن أصابته فتنة، لم يملك نفسه و انقلب على وجهه، خسر الدنيا و الآخرة، ذلك هو الخسران المبين[١].
و سوف نتكلّم عن الارتداد و آثارها السيّئة في إطاره القرآني.
ثمّ هذا التحذير من اللّه قائم عبر الزمان. ليس لمؤمن عذر أن يخنع لعذاب أو فتنة، ليزلّ عن طريقته الّتي كان قد اختارها عن وعي و عن حجّة قاطعة. فيرجع عن الحقّ الّذي ذاقه و عرفه، بل لمسه لمسا. و هناك المجاهدة و المجالدة و الصبر و الثبات، حتّى يأذن اللّه و يأتي بأمره، و اللّه لا يترك عباده المؤمنين دون أن ينصرهم و يأخذ بأيديهم نحو ساحل النجاة. إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ[٢]. فلا يزال المؤمن في كنفه تعالى منعما بإحدى الحسنيين: إمّا النصر أو الشهادة.
فهناك رحمته تعالى يرجوها المؤمن، و لا ييأس منها مؤمن عامر القلب بالإيمان الصادق: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
[٢/ ٦٢٠٤] أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ قال:
[١] الحجّ ٢٢: ١١. اقتباس و تضمين. و ستأتي الإشارة إلى أنّ المؤمن لا ينقلب على عقبه. و هذا من مذهب أصحابنا أهل التحقيق، إذ من لمس الحقّ و عاينه بشهود، لا يمكنه إنكاره و لا رفضه إذا كان مستقيم الفطرة سليما في عقله.
[٢] غافر ٤٠: ٥١.