التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٧ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٩
الإلغاء، دون إحداث هزّة اجتماعيّة لا يمكن ضبطها و لا قيادتها. و ذلك مع العناية بتوفير ضمانات الحياة المناسبة للرقيق، و ضمان الكرامة الإنسانيّة في حدود واسعة.
بدأ بتجفيف موارد الرقّ فيما عدا أسرى الحرب الشرعيّة و نسل الأرقّاء. ذلك أنّ المجتمعات المعادية للإسلام كانت تسترقّ أسرى المسلمين حسب العرف السائد في ذلك الزمان. و ما كان الإسلام يومئذ قادرا على أن يجبر المجتمعات المعادية على مخالفة ذلك العرف السائد، الّذي تقوم عليه قواعد النظام الاجتماعيّ و الاقتصاديّ في أنحاء الأرض. و لو أنّه قرّر إبطال استرقاق الأسرى لكان هذا إجراء مقصورا على الأسرى الّذين يقعون في أيدي المسلمين، بينما الأسارى المسلمون يلاقون مصيرهم السيّئ في عالم الرقّ هناك. و في هذا إطماع لأعداء الإسلام في أهل الإسلام. و لو أنّه قرّر تحرير نسل الأرقّاء الموجود فعلا قبل أن ينظّم الأوضاع الاقتصاديّة للدولة المسلمة و لجميع من تضمّهم لترك هؤلاء الأرقّاء بلا مورد رزق و لا كافل و لا عائل؛ و لا أواصر قربى تعصمهم من الفقر و السقوط الخلقي الّذي يفسد حياة المجتمع الناشئ. لهذه الأوضاع القائمة العميقة الجذور لم ينصّ القرآن على استرقاق الأسرى، بل قال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها[١]. و لكنّه كذلك لم ينصّ على عدم استرقاقهم. و ترك الدولة المسلمة تعامل أسراها حسب ما تقتضيه طبيعة موقفها.
فتفادى من تفادى من الأسرى من الجانبين، و تتبادل الأسرى من الفريقين، و تسترقّ من تسترقّ وفق الملابسات الواقعيّة في التعامل مع أعدائها المحاربين.
و بتجفيف موارد الرقّ الأخرى- و كانت كثيرة جدّا و متنوّعة- يقلّ العدد. و هذا العدد القليل أخذ الإسلام يعمل على تحريره بمجرّد أن ينضمّ إلى الجماعة المسلمة و يقطع صلته بالمعسكرات المعادية. فجعل للرقيق حقّه كاملا في طلب الحرّيّة بدفع فدية عنه يكاتب عليها سيّده. و منذ هذه اللحظة الّتي يريد فيها الحرّيّة يملك حرّيّة العمل و حرّيّة الكسب و التملّك، فيصبح أجر عمله له، و له أن يعمل في غير خدمة سيّده ليحصل على فديته- أي أنّه يصبح كيانا مستقلّا و يحصل على أهمّ مقوّمات الحرّيّة فعلا- ثمّ يصبح له نصيبه من بيت مال المسلمين في الزكاة.
و المسلمون مكلّفون بعد هذا أن يساعدوه بالمال على استرداد حرّيّته. و ذلك كلّه غير
[١] محمّد ٤٧: ٤.