التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٧ - كلام عن الرجاء
هؤلاء خيار هذه الأمّة، ثمّ جعلهم اللّه أهل رجاء؛ إنّه من رجا طلب، و من خاف هرب[١]!
[٢/ ٦٢٠٥] و أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن قتادة في الآية قال: أثنى اللّه على أصحاب نبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحسن الثناء فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ هؤلاء خيار هذه الأمّة، ثمّ جعلهم اللّه أهل رجاء كما تسمعون، و أنّه من رجا طلب، و من خاف هرب[٢].
كلام عن الرجاء
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي- رحمه اللّه-: و إنّما ذكر المؤمنين برجاء الرحمة، و إن كانت هي لهم لا محالة، لأنّهم لا يدرون ما يكون منهم من الإقامة على طاعة اللّه أو الانقلاب عنها إلى معصيته، لأنّهم لا يدرون كيف تكون أحوالهم في المستقبل.
قال: و قال الجبّائيّ[٣]: لأنّهم لا يعلمون أنّهم أدّوا كما يجب للّه عليهم، لأنّ هذا العلم من الواجب، و هم لا يعلمونه إلّا بعلم آخر. و كذلك سبيل العلم في أنّهم لا يعلمونه إلّا بعلم غيره، و هذا يوجب أنّهم لا يعلمون إذن كما يجب للّه عليهم.
و قال ابن الأخشاد[٤]: لأنّه لا يتّفق للعبد التوبة من كلّ معصية.
قال الشيخ: و يمكن في الآية وجه آخر- على مذهبنا- و هو أن يكون رجاؤهم لرخصة اللّه في غفران معاصيهم الّتي لم يتّفق لهم التوبة عنها، و اخترموا دونها، فهم يرجون أن يسقط اللّه عقابها عنهم تفضّلا!
قال: فأمّا الوجه الأوّل، فإنّما يصحّ على مذهب من يجوّز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه[٥]، أو
[١] الدرّ ١: ٦٠٥؛ ابن أبي حاتم ٢: ٣٨٨/ ٢٠٤١؛ الطبري ٢: ٤٨٤/ ٣٢٧٤.
[٢] الطبري ٢: ٤٨٤/ ٣٢٧٣؛ الدرّ ١: ٦٠٥.
[٣] هو أبو عليّ محمّد بن عبد الوهّاب، من رؤساء المعتزلة المعروفين. توفّي: ٣٠٣.
[٤] هو أبو بكر أحمد بن عليّ بن معجور، من رؤساء المعتزلة متكلّم فقيه و مفسّر معروف. و يعرف بابن إخشيد. توفّي:
٣٢٦.
[٥] ذهب أهل التحقيق من أصحابنا إلى أنّ المؤمن لا ينقلب كافرا البتّة، إلّا إذا كان إيمانه صوريّا و عن استسلام، لا عن صدق و إيقان، لأنّ من لمس الحقّ بالعيان لا يمكنه النكران. إلّا إذا كان جحودا بعد استيقان. وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا( النمل ٢٧: ١٤).