التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٨ - فرضية الإحباط في خطوات
و الآيات من هذا القبيل كثيرة، دالّة على أنّ الكافر قد يكون موفّرا عليه في هذه الحياة، و ربّما جزاء على أعمال حسنة يقوم بها، فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره، و إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملا. فتحقيقا لهذا العموم في الجزاء، يجازى الكافر أيضا على حسنات يعملها، لكن بالنظر إلى اختصاص مثوبات الحياة الأخرى بالمؤمنين، تختصّ مثوباته بهذه الحياة الدنيا.
و هذا يتوافق مع قولنا بالاستحقاق أيضا، كما لا يخفى.
٢- إنّ السيّئة مهما بلغت حجما و عددا فإنّها تسقط بالتوبة:
[٢/ ٦٢١٠] «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»[١].
فالنادم على معصية إذا استغفر اللّه، و قام بشرائط الإنابة إلى اللّه و تاب توبة نصوحا، غفر اللّه له جميع ذنوبه، قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ[٢]. و هذا إجماع من الأمّة، لصراحة الكتاب و تواتر السنّة القطعيّة.
نعم اختلفوا في أنّ التوبة بذاتها تسقط العقاب أم لمزيّة ثوابها على عقاب المعصية الّتي ارتكبها؟ كما اختلفوا- أيضا- في أنّ سقوط العقاب بالتوبة تفضّل أم ذاتي واجب؟
لكن لا تأثير- عمليّا- لأمثال هذه المباحث، بعد ثبوت أصل الإسقاط، و إن كان بحث عنها كبار أئمّة علم الكلام، أمثال المحقّق نصير الدين الطوسيّ[٣] و القاضي عبد الجبّار[٤] و غيرهما من العلماء. و للكلام عن شروط التوبة و آدابها مجال آخر.
٣- الإحباط- بمعنى محق الحسنات بسيّئة لا حقة- باطل عندنا[٥] إذ لا دليل عليه لا من العقل و لا من النقل، فضلا عن مخالفته لعموم الكتاب و السنّة، و منافاته لأصول العدل و الحكمة في باب المجازاة:
أوّلا: إذا كنّا نقول في باب المجازاة بالاستحقاق- كما عليه العدليّة- فما الّذي دعا بسقوط
[١] الكافي ٢: ٤٣٥/ ١٠، باب التوبة.
[٢] الزمر ٣٩: ٥٣.
[٣] انظر: تجريد الاعتقاد بشرح العلّامة ابن المطهّر الحلّي: ٢٣٩- ٢٤٠.
[٤] انظر: شرح الاصول الخمسة: ٧٩٠، فما بعد.
[٥] قال العلّامة المجلسي: المشهور بين متكلّمي الإماميّة بطلان الإحباط و التكفير، بل قالوا باشتراط الثواب و العقاب بالموافاة. قال: و ذهبت المعتزلة إلى ثبوتهما. البحار ٥: ٣٣٢.