التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٤ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٥
و هم: الوالدان و الأقربون، ثمّ اليتامى و المساكين و أبناء السبيل.
و هذا يربط بين طوائف من الناس، بعضهم تربطه بالمنفق رابطة الرحم، و بعضهم رابطة العصب، و بعضهم رابطة الرحمة، و بعضهم رابطة الإنسانيّة الكبرى.
و لكن هذا الترتيب في الآية و في آيات أخرى، و الّذي تزيده بعض الأحاديث تحديدا و وضوحا.
[٢/ ٥٩٧٤] كالّذي رواه مسلم في الصحيح عن جابر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لرجل: «ابدأ بنفسك فتصدّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا و هكذا. يقول: فبين يديك و عن يمينك و عن شمالك»[١].
هذا الترتيب يشيء بمنهج الإسلام الحكيم البسيط في تربية النفس الإنسانيّة و قيادتها. إنّه يأخذ الإنسان كما هو، بفطرته و ميوله الطبيعيّة و استعداداته، ثمّ يسير به من حيث هو كائن، و من حيث هو واقف، يسير به خطوة خطوة، صعدا في المرتقى العالي: على هيّنة و في يسر، فيصعد و هو مستريح، و هو يلبّي فطرته و ميوله و استعداداته، و هو ينمي الحياة معه و يرقيها، لا يحسّ بالجهد و الرهق، و لا يكبل بالسلاسل و الأغلال ليجرّ في المرتقى، و لا تكبت طاقاته و ميوله الفطريّة ليحلّق و يرفّ، و لا يعتسف به الطريق اعتسافا، و لا يطير به طيرانا من فوق الآكام، إنّما يصعدها به صعودا هيّنا ليّنا، و قدماه على الأرض و بصره معلّق بالسماء، و قلبه يتطلّع إلى الأفق الأعلى، و روحه موصولة باللّه في علاه.
قال سيّد قطب: و لقد علم اللّه أنّ الإنسان يحبّ ذاته، فأمره أوّلا بكفايتها[٢]، قبل أن يأمره بالإنفاق على من سواها، و أباح له الطيّبات من الرزق و حثّه على تمتيع ذاته في غير ترف و لا مخيلة. فالصدقة لا تبدأ إلّا بعد الكفاية.
[٢/ ٥٩٧٥] و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «خير الصدقة، ما كان عن غنى، و اليد العليا خير من اليد السفلى، و ابدأ بمن تعول»[٣].
[١] مسلم ٣: ٧٩. باب البدأة بالنفس في الإنفاق ثمّ الأهل ثمّ القرابة.
[٢] حسبما ورد في الحديث النبويّ الآنف.
[٣] مسلم ٣: ٩٤.