التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٦ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٤
عذيرك من محارب! أ لا أراك قد وضعت اللّامة و لم تضعها الملائكة! فقام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فزعا، فقال لأصحابه: «عزمت عليكم: لا تصلّوا صلاة العصر حتّى تأتوا بني قريظة»، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يرد أن تدعوا الصلاة، فصلّوا، و قالت طائفة:
و اللّه إنّا لفي عزيمة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما علينا بأس، فصلّت طائفة إيمانا و احتسابا، و تركت طائفة إيمانا و احتسابا، فلم يعنّف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم واحدا من الفريقين، و خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فمرّ بمجالس بينه و بين بني قريظة، فقال «هل مرّ بكم من أحد؟» فقالوا: مرّ علينا دحية الكلبي، على بغلة شهباء، تحته قطيفة ديباج. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ليس ذلك بدحية و لكنّه جبريل، أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم و يقذف في قلوبهم الرعب»، قال: فحاصرهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمر أصحابه أن يستروه بالحجف[١] حتّى يسمعهم كلامه ففعلوا، فناداهم: «يا إخوة القردة و الخنازير!» قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فاحشا! قال:
فحاصرهم حتّى نزلوا على حكم سعد بن معاذ و كانوا حلفاءه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم و تسبي ذراريهم و نساءهم، و زعموا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: أصاب الحكم[٢] و كان حييّ بن أخطب استجاش المشركين على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فجاء إلى بني قريظة فاستفتح عليهم ليلا، فقال سيّدهم: إنّ هذا الرجل مشئوم فلا يشأمنّكم، فناداهم حييّ: يا بني قريظة أ لا تستحيون، أ لا تلحقوني، ألا تضيفوني، فإنّي جائع مقرور.[٣] فقالت بنو قريظة: و اللّه لنفتحنّ له، فلم يزالوا حتّى فتحوا له، فلمّا دخل معهم أطمّهم.[٤] قال: يا بني قريظة، جئتكم في عزّ الدهر، جئتكم في عارض برد، لا يقوم لسبيله شيء! فقال له سيّدهم: أ تعدنا عارضا بردا، تنكشف عنّا و تدعنا عند بحر دائم، لا يفارقنا، إنّما تعدنا الغرور! قال: فواثقهم و عاهدهم: لئن انقضت جموع الأحزاب أن يجيء حتّى يدخل معهم أطمّهم، فأطاعوه حينئذ في الغدر بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بالمسلمين. فلمّا فضّ اللّه جموع الأحزاب انطلق حتّى إذا كان بالروحاء[٥] ذكر العهد و الميثاق الّذي أعطاهم، فرجع حتّى دخل معهم أطمّهم، فلمّا قتلت بنو قريظة أتي به مكتوفا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال حييّ للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أما و اللّه ما لمت نفسي في عداوتك،
[١] نوع من الترس. تؤخذ من جلود الإبل.
[٢] أمّا أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنفذ حكم سعد، ففيه كلام، لعلّنا نتعرّض له في مجال آخر.
[٣] المقرور: من أصابه القرّ و هو البرد.
[٤] الأطمّ: حصن مبنيّ بالحجارة.
[٥] على بعد أربعين ميلا من المدينة.