التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٧
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ١٨٧]
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)
و في هذه الآيات بيان لجملة من أحكام الصيام، ربما كان الناس يتغافلون عنها أو يتساهلون بشأنها، فجاء تشريعها تأكيدا على الالتزام بها، مع شيء من التخفيف المتناسب مع روح الإسلام السهلة السمحة. فقد كان هناك مرسوم سابق[١]: الاعتزال عن النساء في ليالي الصيام، و كذا الامتناع عن المأكل و المشرب بعد نوم العشاء.
فجاءت الآية ليقرّر جواز مباشرة النساء ما بين المغرب و الفجر، و كذلك حلّ الطعام و الشراب، و أنّ مواعيد الصوم من الفجر إلى الغروب. و بالمناسبة تطرّق إلى حكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد، حيث كان المرسوم يومذاك الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان. فلم تجز المباشرة في تلك الحال لا ليلا و لا نهارا.
و الرّفث: العرابة و هي مغازلة النساء للتلذّذ بهنّ أيّ أنواع التلذّذ[٢]، و المراد هنا: مداعبة النساء تمهيدا لمباشرتهنّ أو نفس المباشرة. و من ثمّ عدّي بإلى.
قال الراغب- في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ-: جعل الرفث كناية عن الجماع، تنبيها على جواز دعائهنّ إلى ذلك و مكالمتهنّ فيه. و عدّي بإلى، لتضمّنه معنى
[١] حسبما يبدو من ظاهر التعبير بالسماح و التخفيف. و سنتكلّم عن ذلك.
[٢] قال الأزهري: الرفث كلمة جامعة لكلّ ما يريده الرجل من المرأة( تهذيب اللغة ١٥: ٥٨). و سيأتي الكلام عنه ذيل الآية: ١٩٧ من سورة البقرة.