التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٣ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٤
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ٢١٤]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)
تستهدف الآية إنشاء تصوّر إيمانيّ كامل ناصع في قلوب الجماعة المسلمة، و تخصّ بالذات بالتوجّه إلى المؤمنين الّذين كانوا يعانون في واقعهم مشقّة الاختلاف بينهم و بين خصومهم و لا سيّما أهل الكتاب، و ما كان يجرّه هذا الخلاف من حروب و مناوشات و متاعب و ويلات، يتوجّه إليهم بأنّ هذه هي سنّة اللّه القديمة، في تمحيص المؤمنين و إعدادهم ليدخلوا في رضوانه تعالى، و ليكونوا لذلك أهلا، فليدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتهم، و أن يلقوا في سبيلها العنت و الألم و الشدّة و الضرّ، و أن يتراوحوا بين النصر و الهزيمة، حتّى إذا ثبتوا على عقيدتهم، و لم تزعزعهم شدّة، و لم ترهبهم سطوة، و لم يهنوا تحت مطارق المحنة و الفتن. فعند ذلك استحقّوا نصر اللّه، و لأنّهم يومئذ أمناء على دين اللّه، مأمونون على ما ائتمنوا عليه، صالحون لصيانته و الذود عنه.
يقول مخاطبا لهم- و لعلّ فيه بعض الإيماء إلى توبيخ و استنكار لما فرط منهم بعض مظاهر الوهن في موقفهم بالذات- يقول مخاطبا و موبّخا:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حيث رضوانه تعالى: وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ: و بعد لم تتجابهوا ما جابهتها الأمم من قبلكم من العنت و الشدّة و المحن في سبيل العقيدة مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرَّاءُ. البأساء من البؤس: الفقر و المسكنة أو الفقر المدقع. أي علّتهم حالة بؤس هي شبه يأس من الحياة. و الضرّاء من الضرّ، و هو ما أضرّ بالحال أو المال و أوجب خسارة فادحة لا تتحمّل.
وَ زُلْزِلُوا أخذتهم الرهبة و المخاوف، حتّى كادوا يتزعزعون من مواقفهم الصلبة الحاسمة.
و قد أخذت بهم المخاوف مبلغا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ. أي أنّ حالتهم المضنية بلغت بهم حيث ألجأت الرسول و المؤمنين، أن يتضرّعوا إلى اللّه، ليتدارك حالة المؤمنين