التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٦
[ادامة تفسير سورة البقرة في ضوء الدّلائل و البيّنات]
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ١٨٦]
وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)
هنا و قبل أن يمضى السياق في بيان أحكام الصيام التفصيليّة، و بعد أن أجمل البيان عن إيجاب الصوم و الترغيب فيه، نجد لفتة عجيبة إلى أعماق النفس و خفايا السريرة، بل و إجابة لنداء الفطرة الضارعة تجاه ربّها الكريم، و الخاضعة لدى ساحة قدسه المجيد. إجابة في ألفاظ و تعابير رقيقة شفّافة تكاد تنير و تروي الغليل.
نعم لا يكاد هذا الإنسان الّذي خلق ضعيفا، أن يترقّب من ربّه الكريم الجليل، سوى هذه العناية و العطف و الحنان.
وَ إِذا سَأَلَكَ خطاب للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث الوسيلة الناجعة بينه تعالى و بين عباده المؤمنين[١] عِبادِي عَنِّي تعبير رقيق للغاية. إنّهم عباده و قد استنشدوه؟!
فَإِنِّي قَرِيبٌ تعبير أرقّ، أيّة رقّة و أيّ انعطاف و أيّ إيناس، أرقّ و أعطف و آنس من هذا التعبير الّذي ملؤه العطوفة و الحنان، نعم إنّه تعالى أقرب إلى هذا الإنسان الكادّ الجادّ الملحّ، أقرب إليه من حبل وريده: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[٢].
و اللّه تعالى حيث كان قريبا من عباده، فليس من الصعوبة النيل لديه و اللجوء إليه في كلّ حوائج العباد. بل بمجرّد أن توجّه إلى ربّه، يجد الإجابة السريعة في رحمة و عناية بالغة:
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ إنّها آية عجيبة، آية تسكب في قلب المؤمن النداوة الحلوة، و الودّ المؤنس، و الرضى المطمئنّ، و الثقة و اليقين. بل و يخلق في نفسه الأمن و الراحة و الرجاء الدائم، دون اليأس و القنوط.
[١] وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً( نساء ٤: ٦٤).
[٢] سورة ق ٥٠: ١٦.