التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٠ - آداب الجهاد
«فقدّموا الدارع، و أخّروا الحاسر[١]، و عضّوا على الأضراس، فإنّه أنبى للسيوف عن الهام، و التووا في أطراف الرماح فإنّه أمور للأسنة، و غضّوا الأبصار فإنّه أربط للجأش و أسكن للقلوب، و أميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل، و رايتكم فلا تميلوها و لا تخلّوها و لا تجعلوها إلّا بأيدي الشجعان منكم، فإنّ الصابرين على نزول الحقائق[٢] هم الّذين يحفّون براياتهم و يكتنفونها حفافيها[٣] و ورائها و أمامها لا يتأخّرون عنها فيسلموها و لا يتقدّمون عليها فيفردوها، أجزأ امرؤ قرنه[٤] و آسى أخاه بنفسه، و لم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه و قرن أخيه، و أيم اللّه لو فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة، أنتم لهاميم العرب و السّنام الأعظم. إنّ في الفرار موجدة[٥] اللّه، و الذلّ اللازم، و العار الباقي، و إنّ الفارّ غير مزيد في عمره، و لا محجوب بينه و بين يومه، من رائح إلى اللّه كالظمآن يرد الماء. الجنّة تحت أطراف العوالي[٦]، اليوم تبلى الأخبار، اللّهم فإن ردّوا الحقّ فافضض جماعتهم، و شتّت كلمتهم، و أبسلهم بخطاياهم إنّهم لن يزولوا عن مواقفهم دون طعن دراك يخرج منه النسيم، و ضرب يفلق الهام و يطيح العظام و يندر[٧] السّواعد و الأقدام و حتّى يرموا بالمناسر تتبعها المناسر[٨]، و يرموا بالكتائب تقفوها الحلائب[٩] حتّى يجرّ ببلادهم الخميس يتلوه الخميس، و حتّى تدعق الخيول في نواحي أرضهم و بأعنان مساربهم و مسارحهم».[١٠]
[٢/ ٦١٥٠] و روى الشيخ الكليني بإسناده عن عقيل الخزاعي أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان إذا حضر الحرب يوصي المسلمين بكلمات فيقول: «تعاهدوا الصّلاة، و حافظوا عليها، و استكثروا منها، و تقرّبوا بها، فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، و قد علم ذلك الكفّار حيث سئلوا: ما سلككم في سقر قالوا: لم نك من المصلّين، و قد عرفها من طرقها، و أكرم بها المؤمنين الّذين لا يشغلهم عنها
[١] الحاسر: من لا درع له.
[٢] حقائق: جمع حاقّة، و هي النازلة الثابتة.
[٣] حفافيها: جانبيها.
[٤] أجزأ امرؤ قرنه، أي فليكف كلّ منكم كفؤه، فيقتله.
[٥] موجدته: غضبه.
[٦] العوالي: الرماح.
[٧] يندرها: يسقطها.
[٨] المناسر: القطعة من الجيش تكون أمام الجيش الأعظم.
[٩] الحلائب: الجماعة من الخيل تجتمع من كلّ صوب للنصرة.
[١٠] نهج البلاغة ٢: ٢- ٤/ الخطبة ١٢٣.