التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٧
و هذه الخيانة تتمثّل في الهواتف الحبيسة، و الرغبات المكبوتة، أو تتمثّل في الفعل ذاته، و قد ورد أنّ بعضهم أتاه[١]. و في كلتا الحالتين لقد تاب عليهم و عفا عنهم، مذ ظهر ضعفهم و علمه اللّه منهم. فأباح لهم ما كانوا يختانون فيه أنفسهم:
فَالْآنَ و بعد هذا البلاغ بَاشِرُوهُنَّ.
و لكن هذه الإباحة لا تمضى دون أن تربط باللّه، و دون توجيه النفوس في هذا النشاط للّه أيضا:
وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ و ليكن ابتغاؤكم- وراء رغبة المباشرة- استهداف الآثار و النتائج الّتي أرادها اللّه من وراء تلكم الظواهر الطبيعيّة الفطرية الّتي جبل الإنسان عليها.
إنّ من وراء عطاياه- سبحانه- حكمة، و لها في حسابه غاية. فليست إذن مجرّد اندفاع حيوانيّ موصول بالجسد، منفصل عن ذلك الأفق الأعلى الّذي ينبغي أن يتّجه إليه كلّ نشاط.
قال سيّد قطب: بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين، بغاية هي أكبر من أنفسهما، و أفق أرفع من الأرض و من لحظة اللّذة بينهما. و بهذا تنظّف هذه العلامة و ترقّ و ترقى. قال: و من مراجعة مثل هذه الإيحاءات في التوجيه القرآني و في التصوّر الإسلاميّ، ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم الّذي يبذل لترقية هذه البشريّة و تطويرها، في حدود فطرتها و طاقاتها و طبيعة تكوينها.
قال: و هذا هو النهج الإسلامي للتربية و الاستعلاء و النماء. المنهج الصادر من يد الخالق، و هو أعلم بمن خلق و بما خلق، و هو اللطيف الخبير[٢].
*** و كما أباح المباشرة أباح الطعام و الشراب في الفترة ذاتها:
وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. أي حتّى ينتشر النور المنبسط على الأفق. و ليس هو بدوّ بياض، صعدا في كبد السماء، لم يلبث أن يزول، و هو ما يسمّى بالفجر الكاذب.
ثمّ يذكر حكم المباشرة في فترة الاعتكاف في المساجد. و الاعتكاف: التحبّس في مكان و اللبث فيه. و الغاية منه: الخلوة مع اللّه في المساجد، و عدم الخروج إلّا لضرورة قضاء الحاجة، و يستحبّ في رمضان في الأيّام الأخيرة. و كانت سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في العشر الأخير منه، و هي
[١] الطبري ٢: ٢٢٥/ ٢٤١٢ و ما بعده.
[٢] في ظلال القرآن ١: ٢٥٠.