التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٩ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٦
فأين تكون القافلة من هذا الخير الضخم الّذي أراده اللّه للمسلمين؟! و أين يكون اختيار الناس لأنفسهم من اختيار اللّه لهم؟! وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
و كلّ إنسان- في تجاربه الخاصّة- يستطيع حين يتأمّل أن يجد في حياته مكروهات كثيرة كان من ورائها الخير العميم، و لذّات كثيرة كان من ورائها الشرّ العظيم. و كم من مطلوب كاد الإنسان يذهب نفسه حسرات على فوته، ثمّ تبيّن له بعد فترة أنّه كان إنقاذا من اللّه أن فوّت عليه هذا المطلوب في حينه. و كم من محنة تجرّعها الإنسان لاهثا يكاد يتقطّع لفظاعتها، ثمّ ينظر بعد فترة فإذا هي تنشئ له في حياته من الخير ما لم ينشئه الرخاء الطويل.
إنّ الإنسان لا يعلم، و اللّه وحده يعلم، فما ذا على الإنسان لو يستسلم؟! إنّ هذا هو المنهج التربويّ الّذي يأخذ القرآن به النفس البشريّة، لتؤمن و تسلّم و تستسلم في أمر الغيب المخبوء، بعد أن تعمل ما تستطيع في محيط السعي المكشوف.
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ[١].
فلا بذخ عند الرفاه، و لا يأس عند الشدائد. بعد أن كان الأمر بيد اللّه. و اللّه يفعل ما يشاء و هو الحكيم الخبير.
[٢/ ٥٩٩١] أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: إنّ اللّه أمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المؤمنين بمكّة بالتوحيد و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة، و أن يكفّوا أيديهم عن القتال، فلمّا هاجر إلى المدينة نزلت سائر الفرائض و أذن لهم في القتال، فنزلت: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ يعني فرض عليكم، و أذن لهم بعد ما كان نهاهم عنه وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ يعني القتال و هو مشقّة لكم وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً يعني الجهاد قتال المشركين وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ و يجعل اللّه عاقبته فتحا و غنيمة و شهادة وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً يعني القعود عن الجهاد وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ فيجعل اللّه عاقبته شرّا فلا تصيبوا ظفرا و لا غنيمة![٢]
[٢/ ٥٩٩٢] و أخرج الثعلبي عن الحسن قال في معنى الآية: لا تكرهوا الملمّات الواقعة، فلربّ أمر تكرهه، فيه نجاتك، و لربّ أمر تحبّه، فيه عطبك.
[١] الحديد ٥٧: ٢٢- ٢٣.
[٢] الدرّ ١: ٥٨٦؛ ابن أبي حاتم ٢: ٣٨٢- ٣٨٣/ ٢٠١٢ و ٢٠١٦ و ٢٠١٨ و ٢٠٢٠.