التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٦ - كلام عن الكبائر
و أمّا لو فرض بقاؤها على مفاسدها في هذا الظرف أيضا، و مع ذلك رخّص في فعلها و رفع العقاب عن مرتكبها تفضّلا، فهذا إغراء بفعل القبيح الواقعيّ من غير ما سبب معقول!
*** أمّا الآية الكريمة فإنّ لها تفسيرا وجيها غير ما زعموه:
الآية تعرّضت لجانب ضعف هذا الإنسان تجاه متطلّبات حياته المادّيّة، و لذائذ تبتغيها شهواته النفسيّة المتراكمة وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً[١]. و من ثمّ فإنّه غير معصوم عن الخطأ و الزلل في حياته، مهما كان جادّا في تربية نفسه و تهذيبها، فإنّ نفسه قد تغلبه أحيانا و يرتكب أخطاء خارج إرادته العقليّة!
إنّ هذا الدين يدعو إلى الرفعة و السموّ و الطهر و النظافة بما فيه من حدود و تكاليف، لكنّه لا يتغافل في نفس الوقت ضعف هذا الإنسان و قصوره، و لا يتجاهل فطرته و حدودها و دوافعها، و مختلف دروب حياته و منحنياته الكثيرة، و من ثمّ وضع برامجه على أساس من السماح و اليسر و السعة، فكان التوازن العادل بين التكليف و الطاقة، و بين الدوافع و الزواجر، و بين الترغيب و الترهيب، و بين التهديد بالعقاب و التطميع في الثواب. الأمر الّذي تتجسّد فيه حكمته تعالى في الأمر بالطاعة و الإطماع في العفو و المغفرة!
إنّه يهدّد الإنسان في اقتراف الكبائر الموبقات، لأنّ في ارتكابها تهديدا بسلامة المجتمع، و تلويثا لساحة هذا الإنسان، المطلوب طهارتها و نزاهتها عن الأدناس و الأرجاس!
ثمّ إنّه لا يتغافل جانب ضعف هذا الإنسان الّذي قد يستسلم لدوافع نفسه أحيانا فيرتكب ما لا ينبغي بشأنه الرفيع! الأمر الّذي لا محيص لهذا الإنسان عنه ما دام قيد مباهج المادّة و زخارفها، فسمح له بالعفو و الغفران ما دام صدور الخطاء منه وقع لمما[٢]، و يندم عليه فور ارتكابه، ممّا يشفّ عن تعهّده و التزامه تجاه أوامر الدين و زواجره.
إذن فمعنى الآية الكريمة: «إنكم أيها المؤمنون إذا ما ثبتم على تعهدكم بالدين و اجتنبتم محرمات و فواحش نهيتم عنها، فإن ما يفرط منكم من الخطايا بين آونة و أخرى، هي مسموحة مغفورة لكم.»
[١] النساء ٤: ٢٨.
[٢] سنشرح مفهوم هذه الكلمة عند تفسير الآية التالية.