التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٨ - كلام عن الكبائر
و قوله: وَ لَمْ يُصِرُّوا ... تقدّم تفسير الصادق عليه السّلام ذلك بالمبادرة إلى الاستغفار:
[٢/ ٦٢٧٣] قال عليه السّلام: «الإصرار هو أن يذنب فلا يستغفر اللّه، و لا يحدّث نفسه بتوبة؛ فذلك الإصرار»[١].
*** و ممّا يؤكّد على أن لا صغيرة في المعاصي و أنّها جمع كلّها كبائر، عدم وجود تحديد ضابط للكبيرة و فصلها عن الصغيرة. و لا إمكان تعديدها في عدد حاصر! الأمر الّذي تحيّر فيه القائل بالصغائر. و من ثمّ ذهب ببعضهم إلى أنّ حكمة البارئ تعالى هي الّتي اقتضت إخفاء صغائر السيّئات و عدم ميزها عن الكبائر، لئلّا يلزم إغراء العباد إلى ارتكاب السيّئات!
قال الفخر الرازي: ذهب أكثر العلماء إلى أنّه تعالى لم يميّز الكبائر أي جملتها عن جملة الصغائر، لأنّه تعالى لمّا بيّن أنّ الاجتناب عن الكبائر يوجب تكفير الصغائر، فإذا عرف العبد ذلك و ميّز بينهما، اقتصر على اجتناب الكبائر و لم يجتنب عن الصغائر، حيث علمه بأنّها مغفورة. فكان ذلك إغراء له بارتكاب السيّئات، و هو قبيح لا يليق بالمولى الحكيم. فكان إخفاء الكبائر بين السيّئات نظير إخفاء الصلاة الوسطى بين الصلوات، و ليلة القدر بين ليالي شهر رمضان، و ساعة الإجابة في ساعات يوم الجمعة، و ساعة الموت في الحياة!
و أمّا ما ورد في بعض الروايات من تعداد الكبائر، فإنّها البعض منها و من أكبرها و ليس حصرا لها حتّى يلزم المحذور[٢].
و سنذكر تحديدات القوم و تعديداتهم الناقصة الّتي لا تفي علاجا للموضوع.
هذا و قد ذهب أهل الاعتزال إلى الاعتراف بوجود صغائر الذنوب إلى جنب كبائرها، حسبما مرّ في كلام الشيخ المفيد[٣] و هكذا صرّح به الشيخ الطوسيّ في التبيان[٤]. فأصبح هذا القول شعارا للمعتزلة تجاه مذهب الإماميّة.
[١] الكافي ٢: ٢٨٨/ ٢، باب الإصرار على الذنب؛ البحار ٦: ٣٢/ ٤٠، باب ٢٠.
[٢] التفسير الكبير ١٠: ٧٦- ٧٧.
[٣] أوائل المقالات: ٥٩، القول ٦٤ في صغائر الذنوب.
[٤] التبيان ٣: ١٨٢- ١٨٣.