التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٤ - هل في آيات الحبط عموم؟
قلنا: لا موضع لهذه الاستفادة بعد أن كانت الآية نزلت تعريضا بشأن جاهليّة العرب كانوا إذا وقفوا بالموقف ذكروا آباءهم و نوّهوا بأمجاد جاهليّة تفاخرا على بعضهم، و إذا سألوا اللّه شيئا لم يتجاوزوا مطاليب سافلة: إبلا و غنما و رقيقا و ظفرا على أعداء، و لا يسألونه الجنّة و المغفرة و الرضوان، حيث فقد العقيدة بالبعث و النشور إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ[١]. و من ثمّ ذكر تعالى: وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ!
و لا شكّ أنّ الّذي لا خلاق له في الآخرة هو الكافر المحض- حسبما تقدّم- وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. أمّا الفئة الأخرى- و هم المؤمنون بيوم المعاد- فيسألون اللّه تعالى خير الدنيا و الآخرة و المغفرة و النجاة من النار، فهؤلاء لهم نصيب في الآخرة: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[٢].
[٢/ ٦٢١١] قال ابن عبّاس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللّهمّ اجعله عام غيث و عام خصب و عام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا. فأنزل اللّه فيهم: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. و يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ فأنزل اللّه فيهم: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ.
[٢/ ٦٢١٢] و عن مجاهد: كان أهل الجاهليّة إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا فعل آباءهم في الجاهليّة و أيّامهم و أنسابهم فتفاخروا، فأنزل اللّه ... إلخ.
[٢/ ٦٢١٣] و عن ابن الزبير: كان الناس في الجاهليّة إذا وقفوا بالمشعر الحرام دعوا فقال أحدهم:
اللّهمّ ارزقني إبلا. و قال الآخر: اللّهمّ ارزقني غنما، فأنزل اللّه ... إلخ.
[٢/ ٦٢١٤] و عن السدّي: كانت العرب إذا قضت مناسكها و أقامت بمنى، لا يذكر اللّه الرجل منهم، و إنّما يذكر أباه، و يسأل أن يعطى في الدنيا[٣].
[٢/ ٦٢١٥] و عن الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام: «إنّهم كانوا يجتمعون، يتفاخرون
[١] المؤمنون ٢٣: ٣٧.
[٢] آل عمران ٣: ١٧١.
[٣] الطبري ٢: ٤٠٨- ٤٠٩/ ٣٠٧٥؛ الدرّ ١: ٥٥٧؛ أسباب النزول للواحدي: ٣٩.