التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٥ - ما ورد في فضل أيام الحج و ترغيب الدعاء فيها و عرض المسألة
قوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ و إذ كانت أيّام منى أربعة أيّام: يوم النحر و ثلاثة أيّام التشريق. لكن لا يجب المكوث بها جميعا. فيجوز النفر في اليوم الثاني من أيّام التشريق، بعد الزوال و قبل أن تغرب الشمس.
و الأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير في اليوم الثالث من أيّام التشريق[١].
و في قوله: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، في الموضعين، إيحاء بعدم المنع و عدم التأثّم، لا في التعجّل و لا في التأخّر، حيث كان اختلاف الحجيج في النفر في اليوم الثاني أو اليوم الثالث، كان أوهم أنّ الفرض هو أحدهما فحسب؛ إمّا النفر أوّلا، فلا يجوز التأخّر. أو النفر أخيرا، فلا يجوز التعجّل. فجاءت الآية لترخّص كلا الأمرين، من غير تحرّج في أيّ منهما.
قال الزمخشري: في الآية دلالة على أنّ التعجّل و التأخّر مخيّر فيهما، كأنّه قيل: فتعجّلوا أو تأخّروا. فإن قلت: أ ليس التأخّر بأفضل؟ قلت: بلى، و يجوز أن يقع التخيير بين الفاضل و الأفضل، كما خيّر المسافر بين الصوم و الإفطار[٢]، و إن كان الصوم أفضل!
و قيل: كان أهل الجاهليّة فريقين، منهم من جعل المتعجّل آثما، و منهم من جعل المتأخّر آثما، فورد القرآن بنفي المأثم عنهما جميعا[٣].
قوله: لِمَنِ اتَّقى أي هذا التخيير في النفر، إنّما يكون لمن اتّقى محرّمات الإحرام. و هذا هو ظاهر التعبير في إطلاق الخطاب، و نظرا لرعاية المناسبة مع سياق الكلام.
و هكذا ذكر سيّدنا العلّامة الطباطبائي: أنّ قوله تعالى: لِمَنِ اتَّقى نظير قوله: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. و المراد: أنّ هذا الحكم لمن اتّقى، و أمّا من لم يتّق فليس له.
قال: و من اللّازم أن تكون هذه التقوى تقوى ممّا نهى اللّه عنه في الحجّ، و اختصّه به، فيؤول المعنى: أنّ الحكم إنّما هو لمن اتّقى تروك الإحرام أو بعضها[٤]، أمّا من لم يتّق فيجب عليه أن يقيم بمنى إلى تمام أيّامها[٥].
[١] مجمع البيان ٢: ٥٣.
[٢] بناء على فهم الترخيص من آية القصر في السفر.
[٣] الكشّاف ١: ٢٥٠.
[٤] إشارة إلى ما ورد في بعض الروايات- حسبما يأتي- من اختصاص الاتّقاء باتّقاء الصيد.
[٥] الميزان ٢: ٨٣.