التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٦ - ما ورد في فضل أيام الحج و ترغيب الدعاء فيها و عرض المسألة
قال الزمخشري: قوله: لِمَنِ اتَّقى أي ذلك التخيير و نفي الإثم عن المتعجّل و المتأخّر، لأجل الحاجّ المتّقي[١]، لئلّا يتخالج في قلبه شيء منهما[٢] فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأنّ ذا التقوى حذر متحذّر من كلّ ما يريبه، و لأنّه هو الحاجّ على الحقيقة عند اللّه[٣].
[٢/ ٥٧٥٣] و هكذا روي عن عبد اللّه بن عمر، أنّ تلك الإباحة- أي الترخيص في التعجّل- لمن اتّقى.
[٢/ ٥٧٥٤] و ذكر النحّاس أنّ عبد اللّه بن عمر قال: أبيح ذا التعجيل لمن اتّقى. قال: فالتقدير على هذا: الإباحة لمن اتّقى[٤].
و هكذا قال القرطبي: التقدير: الإباحة لمن اتّقى. روي ذلك عن ابن عمر[٥].
[٢/ ٥٧٥٥] و أخرج الفريابي و ابن جرير عن ابن عمر قال: أحلّ النفر في يومين لمن اتّقى[٦].
قال أبو جعفر الطبري- بعد أن ذكر مختلف الأقوال-: و أولى هذه الأقوال بالصحّة قول من قال: إن كان قد اتّقى اللّه في حجّه؛ فاجتنب فيه ما أمره اللّه باجتنابه، و فعل فيه ما أمره اللّه بفعله، و أطاعه بأدائه على ما كلّفه من حدوده. فلا إثم عليه.
فمن تعجّل في يومين من أيّام منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني .. و من تأخّر إلى اليوم الثالث منهنّ، فلا إثم عليه، لا في التعجّل و لا في التأخّر، إن كان اتّقى اللّه في حجّه بأدائه بحدوده.
قال: و إنّما قلنا إنّ ذلك أولى التأويلات، لتظاهر الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
[٢/ ٥٧٥٦] أنّه قال: «من حجّ هذا البيت فلم يرفث و لم يفسق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه».
و غيره من الأخبار، ممّا ينبئك: أنّ من حجّ فقضاه (أي أدّاه) بحدوده على ما أمره اللّه، فهو خارج من ذنوبه، كما قال اللّه- جلّ ثناؤه-: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى اللّه في حجّه[٧].
لكنّه أطلق عدم التأثّم، بإرادة غفران الذنوب جميعا، لمن أدّى الحجّ و العمرة بتمام. و من غير أن يكون مرتبطا بأمر التعجّل و التأخّر. و هذا خلاف ظاهر السياق و المناسبة القائمة بين أجزاء
[١] أي بشأنه بالذّات.
[٢] بأن يتوهّم الإثم في أيّ منهما.
[٣] الكشّاف ١: ٢٥٠.
[٤] معاني القرآن للنحّاس ١: ١٤٦/ ٧٢.
[٥] القرطبي ٣: ١٤.
[٦] الدرّ ١: ٥٦٦؛ الطبري ٢: ٤١٨/ ٣١١٤.
[٧] الطبري ٢: ٤٢١- ٤٢٢.