التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٠ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٠
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٠ الى ٢١٢]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)
و هنا يتّخذ السياق أسلوبا جديدا في التحذير من عاقبة الانحراف عن منهج السلم و عن طريق السّلام، اتّباعا لخطوات الشيطان. فيتحدّث بصيغة الغيبة- لغرض إفادة الشمول- بدلا من صيغة الخطاب، و الّتي كانت تبدو بمظاهرها خاصّة بأهل الزلل و الزيغ من أهل النفاق و الشرك المواجهين للخطاب.
و السؤال في الآية سؤال استنكار: ما ذا دهمهم فظلّوا حيارى في أمرهم، لا إلى السلم يجنحون و لا على الكفاح و المنابذة يجترءون، كأنّهم ينتظرون العاقبة. ألا و هي قريبة و لا تسمح الهروب عنها، بعد أن قضي الأمر.
إذن فما الّذي قعد بهم عن الاستجابة؟ ما ذا ينتظرون؟ و ما ذا يرتقبون؟ تراهم سيظلّون هكذا في موقفهم متأرجحين، حتّى يأتيهم أمر اللّه و قضاؤه، في حلكة من ظلام الوحشة و البؤس لهم و تعمل فيهم المقدّرات الكائنة لا محالة.
و بتعبير آخر: هل ينتظرون و يتلكّئون حتّى يأتيهم اليوم الرعيب الموعود، و لات ساعة مندم.
إذ قضى الأمر و انتهت فسحة الانتظار، و أفلتت الفرصة، و عزّت النجاة، و وقفوا وجها لوجه تقدير اللّه و قضائه الكائن، و لا مهرب إلّا إليه. وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ كلّها، و لا عاصم ذلك اليوم من أمر اللّه.
قال سيّد قطب: إنّها طريقة القرآن العجيبة، الّتي تفرّده و تميّزه من سائر القول. الطريقة الّتي تحيّر المشهد و تستحضره في التوّ و اللحظة، و تقف القلوب إزاءه وقفة من يرى و يسمع و يعاني ما فيه!