التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦ - ملاحظات
فترة التجرّد إلى اللّه، و من ثمّ امتنعت فيها المباشرة تحقيقا لهذا التجرّد الكامل الّذي تنسلخ فيه النفس من كلّ لذّاتها و يخلص فيه القلب للّه من كلّ شاغل.
وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ. سواء في ذلك فترة الإمساك و فترة الإفطار.
و في النهاية يربط الأمر كلّه باللّه، على طريقة القرآن في توجيه كلّ نشاط و كلّ امتناع، كلّ أمر و كلّ نهي، كلّ حركة و كلّ سكون، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها. و النهي هنا عن القرب، لتكون هناك منطقة أمان، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه[١].
و الإنسان لا يملك نفسه في كلّ وقت، فأحرى به أن لا يعرض إرادته للامتحان، بالقرب من المحظورات المشتهاة، اعتمادا على نفسه أنّها تمتنع عن الارتكاب حينما يريد.
و هذا التحذير على هذا النحو له إيحاؤه بتربية النفس في التحفّظ و لزوم التقوى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ معالم هدايته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ و التقوى هي تعهّد النفس و تقيّدها بملازمة الحدود المضروبة دون الانصياع لملاذّ الحياة من غير هوادة.
ملاحظات
ينبغي التريث عند تعابير جاءت في آية الصيام هنا:
أوّلا قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، قد يشي بأنّ هناك من قبل كان إتيان النساء ليلا و كذا الأكل و الشرب، محرّما على صائمي النهار. إذ لا رابطة جوهريّا بين صيام النهار و الامتناع من هذه الأمور ليلا.
و قد رووا في ذلك روايات، و حسبوها شأن النزول. و هذا رأي جمهور المفسرين و أنكر أبو مسلم الأصفهاني أن يكون هذا نسخا لشيء تقرّر في شرعنا، و قال: هو نسخ لما كان في شريعة النصارى[٢].
نعم كانت شريعة الصوم فيما سلف تفرض الإمساك عن المشتهيات طول الليل و النهار، من غروب الشمس فإلى غروبها في اليوم التالي. لكن بعد ما فرض الصوم على المسلمين و أبيح لهم
[١] انظر: المبسوط للسرخسي ٣: ١٠١، رواه عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
[٢] التفسير الكبير ٥: ١٠٣.