التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٥ - كلام عن الكبائر
و أخيرا فإنّ أصول مذهبنا ترفض إمكان وجود سيّئة هي مغفورة من غير توبة و لا استغفار.
و إنّ كلّ محاولة في تفسير آية النساء بذلك هي محاولة فاشلة و متنافية مع حكمته تعالى في التكليف!
إذ لو لا كونها سيّئة في ذاتها و مشتملة على قبح واقعيّ ثابت، لما نهى اللّه عنها و لا حرّمها، فكيف يعلّق تحريمها على ارتكاب الكبائر؛ إنّها على هذا التقدير غير محرّمة[١]، فلا مانع شرعيّا من ارتكابها في هذا الظرف، و إنّما المانع يختصّ بصورة ارتكاب الكبائر أيضا. و هذا غير معقول على أصول مذهبنا بضرورة وجود مصالح و مفاسد واقعيّة ثابتة كامنة وراء الأوامر و النواهي الشرعيّة[٢].
[١] و إذا كانت غير محرّمة فنستكشف عدم مفسدة فيه، فكيف أثّر ترك الكبائر في رفع المفسدة الواقعيّة الّتي كانت موجودة حال ارتكابها؟
[٢] نظرا لأنّ الأحكام الشرعيّة ألطاف في الأحكام العقليّة. توضيحه: أنّ التكاليف الشرعيّة واقعة في سلسلة مترتّبة ترتّب العلل و المعاليل. تبتدي بمقتضيات التكليف، و هي المصالح و المفاسد الواقعيّة، ثمّ نفس التكليف، و بعده الثواب و العقاب على الإطاعة و العصيان، على الترتيب التالي:
١- مصلحة واقعيّة ثابتة تستدعي تشريعا متناسبا إمّا إلزاميّا أو غير إلزاميّ.
٢- أحكام شرعيّة إلزاميّة و غير إلزاميّة متناسبة مع حجم المصلحة الواقعيّة.
٣- ثواب و عقاب مترتّبان على الإطاعة و العصيان.
فمن ثبوت العقاب نستكشف ثبوت التكليف بطريق« الإنّ» أي علما حاصلا من المعلول إلى العلّة.
و من عدم العقاب نستكشف عدم التكليف، لنفس السبب. قضيّة للتلازم.
و بالعكس نستكشف من التكليف ثبوت العقاب: و من عدم التكليف عدم العقاب، بطريق« اللّمّ» أي علما حاصلا من العلّة إلى المعلول.
و على ضوء هذا البيان يتبيّن استحالة التعليق في التكليف، أي تعليق التكليف على أمر لا يرتبط بمصلحة الواقع و مفسدتها. كما في موضوع بحثنا الآن، بالبيان التالي:
بناء على تفسير الآية بغفران السيّئات على تقدير اجتناب الكبائر، يصبح ترتّب العقاب على سيّئة ثابتا على تقدير ارتكاب الكبائر، و بالملازمة يستدعي كون النهي عنها أيضا معلّقا على الارتكاب المذكور، و عليه فلا يرتبط التكليف بالمفسدة الواقعيّة الّتي شأنها الثبوت، بل مرتبطا بارتكاب المكلّف للكبائر و عدمه. و هذا خروج عن مباني أصول مذهبنا في ارتباط التكاليف بالمصالح و المفاسد الواقعيّة الثابتة!