التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٤ - سورة البقرة(٢) آية ٢٠٧
[٢/ ٥٨٦٠] و قال الثعلبي: و رأيت في الكتب أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا أراد الهجرة خلّف عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بمكّة لقضاء ديونه و ردّ الودائع الّتي كانت عنده، فأمره ليلة خرج إلى الغار و قد أحاط المشركون بالدار، أن ينام على فراشه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال له: «اتّشح ببردي الحضرمي الأخضر، و نم على فراشي، فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء اللّه»، ففعل ذلك عليّ عليه السّلام، فأوحى اللّه تعالى إلى جبرئيل و ميكائيل إنّي قد آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالبقاء و الحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللّه تعالى إليهما: أ فلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب آخيت بينه و بين محمّد فبات على فراشه يفديه نفسه و يؤثره بالحياة! اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا، فكان جبرئيل عند رأس عليّ و ميكائيل عند رجليه، و جبرئيل ينادي:
بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب، فنادى اللّه- عزّ و جلّ- الملائكة و أنزل اللّه على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو متوجّه إلى المدينة في شأن عليّ عليه السّلام: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ[١].
[٢/ ٥٨٦١] و قال مقاتل بن سليمان في قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ و ذلك أنّ كفّار مكّة أخذوا عمّارا و بلالا و خبّابا و صهيبا فعذّبوهم لإسلامهم حتّى يشتموا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. فأمّا صهيب بن سنان مولى عبد اللّه بن جدعان القرشي و كان شخصا ضعيفا فقال لأهل مكّة: لا تعذّبوني، هل لكم إلى خير؟ قالوا: و ما هو؟ قال: أنا شيخ كبير لا يضرّكم إن كنت معكم أو مع غيركم، لئن كنت معكم لا أنفعكم، و لئن كنت مع غيركم لا أضرّكم، و إنّ لي عليكم لحقّا لخدمتي و جواري إيّاكم! فقد علمت أنّكم إنّما تريدون مالي و ما تريدون نفسي، فخذوا مالي و اتركوني و ديني غير راحلة! فإن أردت أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني. فقال بعضهم لبعض: صدق، خذوا ماله فتعاونوا به على عدوّكم. ففعلوا ذلك فاشترى نفسه بماله كلّه غير راحلة، و اشترط ألّا يمنع عن صلاة و لا هجرة، فأقام بين أظهرهم ما شاء اللّه، ثمّ ركب راحلته نهارا حتّى أتى المدينة مهاجرا فلقيه أبو بكر فقال: ربح البيع يا صهيب. فقال: و بيعك لا يخسر. فقال أبو بكر: قد أنزل اللّه فيك:
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.
[١] الثعلبي ٢: ١٢٥- ١٢٦/ ١٠٣؛ أسد الغابة ٤: ٢٥؛ شواهد التنزيل ١: ١٢٣/ ١٣٣؛ مجمع البيان ٢: ٥٧.