التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩١ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٢
بأنفسهم رغبة في النفع العام.
لكن الميزان الّذي يزن به الكافر، ليس هو الميزان. إنّه ميزان الأرض، ميزان الكفر و النكران، ميزان الجاهليّة العمياء. أمّا الميزان الحقّ فهو ميزان العقل الرشيد، ميزان اللّه الّذي يزن الأمور وفق واقعها الثمين، و في آفاقها الفسيح. و بهذا الميزان جاء توزين القيم عند اللّه.
و من ثمّ وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا كان التقوى رائدهم في الحياة فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فعند ذاك ترفع الستائر و تنكشف الحقائق، فيعلم للذين آمنوا قيمتهم الحقيقيّة، فليمضوا في طريقهم، لا يحفلون سفاهة السفهاء.
وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ و اللّه يدّخر لهم ما هو خير و ما هو أوسع من الرزق، يهبهم إيّاه حيث يختار، في الدنيا أو في الآخرة أو في الدارين، وفق ما يرى أنّه خير لهم، و هو المانح الوهّاب، يمنح من يشاء، و يفيض على من يشاء، لا خازن لعطاياه و لا بوّاب يمنع المتقاضين. و هو قد يعطي الكافر زينة الحياة الدنيا، لحكمة منه، و ليس له فضل فيما أعطي. و هو يعطي المختارين من عباده ما يشاء دنيا و آخرة، لا شيء يحدّه أو يحجزه في عطاياه. فالعطاء كلّه من عنده، و اختياره للأخيار هو الأعلى و الأبقى، بلا أمد محدّد و إنّما هو حسبما يراه اللّه و يختار.
[٢/ ٥٩٠٣] أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا قال: الكفّار يبتغون الدنيا و يطلبونها وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا في طلبهم الآخرة. قال ابن جريج: لا أحسبه إلّا عن عكرمة قال: قالوا: لو كان محمّد نبيّا لاتّبعه ساداتنا و أشرافنا، و اللّه ما اتّبعه إلّا أهل الحاجة مثل ابن مسعود و أصحابه[١].
[٢/ ٥٩٠٤] و قال مقاتل بن سليمان: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا و ما بسط لهم فيها من الخير، نزلت في المنافقين عبد اللّه بن أبيّ و أصحابه وَ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا في أمر المعيشة بأنّهم فقراء، نزلت في عبد اللّه بن ياسر المخزومي، و صهيب بن سنان من بني تيم بن مرّة، و بلال بن رباح مولى أبي بكر و خبّاب بن الأرت مولى ابن أمّ بهار الثقفي حليف بني زهرة، و سالم مولى أبي حذيفة، و عامر بن فهيرة مولى أبي بكر، و عبد اللّه بن مسعود، و أبي هريرة الدوسي، و في نحوهم من الفقراء. يقول اللّه- عزّ و جلّ-: وَ الَّذِينَ اتَّقَوْا الشرك يعني هؤلاء النفر فَوْقَهُمْ يعني فوق
[١] الدرّ ١: ٥٨١؛ الطبري ٢: ٤٥٤/ ٣٢١٧؛ ابن أبي حاتم ٢: ٣٧٤- ٣٧٥/ ١٩٧٣- ١٩٧٥.