التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤ - سورة البقرة(٢) آية ١٨٧
الإفضاء.
و قال- في قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ-: يحتمل أن يكون نهيا عن تعاطي الجماع، و أن يكون نهيا عن الحديث في ذلك، إذ هو من دواعيه[١].
و قد وقع أنّ بعضهم لم يجد طعاما حاضرا عند أهله بعد الإفطار، فانتظر ليحضروا له فغلبه النوم، ثمّ صحا فلم يحلّ له الطعام و الشراب، فواصل. ثمّ جهد في النهار التالي، و بلغ أمره إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[٢].
كما وقع أنّ بعضهم نام بعد الإفطار أو نامت امرأته، ثمّ وجد في نفسه دفعة للمباشرة ففعل و بلغ أمره إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[٣]، و بدت المشقّة في أخذ المسلمين بهذا التكليف، فردّهم اللّه إلى اليسر و تجربتهم حاضرة في نفوسهم، ليحسّوا بقيمة اليسر و بمدى الرحمة و الاستجابة.
و نزلت هذه الآية لتحلّ لهم المباشرة ما بين المغرب و الفجر:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ. و الرفث- كما قلنا- مقدّمات المباشرة أو المباشرة ذاتها، و كلاهما مقصود هنا و مباح.
و لكن انظر إلى لطف التعبير القرآني هنا، القرآن لا يمرّ على هذا المعنى دون لمسة حانية رفّافة، تمنح العلاقة الزوجيّة شفّافيّة و رفقا و نداوة، و تنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني و عرامته، و توقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة:
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ، و اللباس ساتر و واق، و كذلك هذه الصلة بين الزوجين، تستر كلّا منهما و تقيه عن العرامة و الفحشاء، و الإسلام الّذي يأخذ هذا الكائن الإنساني بواقعه كلّه، و يرتضي تكوينه و فطرته كما هي، و يأخذ بيده إلى معارج الكمال بكلّيّته، الإسلام و هذه نظرته يلبّي دفعة الجسد الفطريّة، و ينسم عليها هذه النسمة اللطيفة الرقيقة الروحاء، و يدثّرها بهذا الدثار اللطيف الظريف البهيج، كلّ هذا و ذاك في آن.
و يكشف لهم عن خبيئة مشاعرهم، و هو يكشف لهم عن رحمته بالاستجابة لهواتف فطرتهم.
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ
[١] المفردات: ١٩٩، و الآية من سورة البقرة ٢: ١٩٧.
[٢] انظر: الطبري ٢: ٢٢٤/ ٢٤١١ فما بعده.
[٣] انظر: الطبري ٢: ٢٢٥/ ٢٤١٣ و ٢٤١٤.