التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩
المجتمع الّذي يقوم على الشورى و النصح و التعاون. كما يقوم على المساواة و العدالة الصارمة الّتي يشعر معها كلّ أحد أنّ حقّه منوط بحكم شريعة اللّه، لا بإرادة حاكم، و لا هوى حاشية، و لا قرابة كبير.
و في النهاية المجتمع الوحيد بين سائر المجتمعات البشرية، الّذي لا يخضع البشر فيه للبشر.
إنّما يخضعون حاكمين و محكومين للّه و لشريعته؛ و ينفّذون حاكمين و محكومين حكم اللّه و شريعته. فيقف الجميع على قدم المساواة الحقيقيّة أمام اللّه ربّ العالمين و أحكم الحاكمين، في طمأنينة و في ثقة و في يقين.
هذه كلّها بعض معاني السلم الّذي تشير إليه الآية و تدعو الّذين آمنوا للدخول فيه كافّة.
ليسلموا أنفسهم كلّها للّه؛ فلا يعود لهم منها شيء، و لا يعود لنفوسهم من ذاتها حظّ؛ إنّما تعود كلّها للّه في طواعيّة و في انقياد و في تسليم.
و لا يدرك معنى هذا السلم حقّ إدراكه من لا يعلم كيف تنطلق الحيرة و كيف يعربد القلق في النفوس الّتي لا تطمئنّ بالإيمان، في المجتمعات الّتي لا تعرف الإسلام، أو الّتي عرفته ثمّ تنكّرت له، و ارتدّت إلى الجاهليّة، تحت عنوان من شتّى العنوانات في جميع الأزمان. هذه المجتمعات الشقيّة الحائرة على الرغم من كلّ ما قد يتوافر لها من الرخاء المادّي و التقدّم الحضاري، و سائر مقوّمات الرقي في عرف الجاهليّة الضالّة التصوّرات المختلّة الموازين.
و حسبنا مثل واحد ممّا يقع في بلد أروبّي من أرقى بلاد العالم كلّه و هو «السويد». حيث يخصّ الفرد الواحد من الدخل القومي ما يساوي خمسمائة جنيه في العام. و حيث يستحقّ كلّ فرد نصيبه من التأمين الصحّي و إعانات المرض الّتي تصرف نقدا و العلاج المجّاني في المستشفيات. و حيث التعليم في جميع مراحله بالمجّان، مع تقديم إعانات ملابس و قروض للطلبة المتفوّقين و حيث تقدّم الدولة حوالي ثلاثمائة جنيه إعانة زواج لتأثيث البيوت. و حيث و حيث من ذلك الرخاء الماديّ و الحضاري العجيب.
و لكن ما ذا؟ ما ذا وراء هذا الرخاء المادّي و الحضاري و خلوّ القلوب من الإيمان باللّه؟
إنّه شعب مهدّد بالانقراض، فالنسل في تناقص مطّرد بسبب فوضى الاختلاط! و الطلاق