التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٠ - من يجوز له جمع العساكر و الجهاد
الجهاد، قلت: بيّن لي يرحمك اللّه.
فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أخبر في كتابه الدعاء إليه، و وصف الدعاة إليه فجعل ذلك لهم درجات يعرف بعضها بعضا، و يستدلّ ببعضها على بعض، فأخبر أنّه تبارك و تعالى أوّل من دعا إلى نفسه و دعا إلى طاعته و اتّباع أمره، فبدأ بنفسه فقال: وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[١] ثمّ ثنّى برسوله فقال: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[٢] يعني القرآن، و لم يكن داعيا إلى اللّه عزّ و جلّ من خالف أمر اللّه و يدعو إليه بغير ما أمر في كتابه الّذي أمر أن لا يدعى إلّا به، و قال في نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[٣] يقول:
تدعو، ثمّ ثلّث بالدعاء إليه بكتابه أيضا فقال تبارك و تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي يدعو وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ[٤] ثمّ ذكر من أذن له في الدعاء إلى بعده و بعد رسوله في كتابه فقال:
وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.[٥]
ثمّ أخبر عن هذه الأمّة و ممّن هي و أنّها من ذريّة إبراهيم و ذريّة إسماعيل من سكّان الحرم ممّن لم يعبدوا غير اللّه قطّ الذين وجبت لهم الدعوة، دعوة إبراهيم و إسماعيل من أهل المسجد الّذين أخبر عنهم في كتابه أنّه أذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا، الّذين وصفناهم قبل هذه في صفة أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الّذين عناهم اللّه تبارك و تعالى في قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي[٦] يعني أوّل من اتّبعه على الإيمان به و التصديق له بما جاء به من عند اللّه عزّ و جلّ من الامّة الّتي بعث فيها و منها و إليها قبل الخلق ممّن لم يشرك باللّه قطّ، و لم يلبس إيمانه بظلم، و هو الشّرك.
ثمّ ذكر أتباع نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أتباع هذه الامّة التي وصفها في كتابه بالأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر و جعلها داعية إليه، و أذن لها في الدعاء إليه، فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ[٧] ثمّ وصف أتباع نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من المؤمنين فقال عزّ و جلّ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ الَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً[٨] الآية، و قال: يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَ الَّذِينَ
[١] يونس ١٠: ٢٥.
[٢] النحل ١٦: ١٢٥.
[٣] المؤمنون ٢٣: ٧٣.
[٤] الإسراء ١٧: ٩.
[٥] آل عمران ٣: ١٠٤.
[٦] يوسف ١٢: ١٠٨.
[٧] الأنفال ٨: ٦٤.
[٨] الفتح ٤٨: ٢٩.