التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - ملحوظة
[٢/ ٥٣١٠] و أخرج ابن جرير و ابن أبي شيبة و أبو داود في ناسخه عن قتادة و عن الربيع بن أنس، قالا: قوله تعالى: وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ... نسخ بقوله تعالى بعد ذلك:
وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ[١].
*** قال أبو بكر الجصّاص: قوله تعالى: وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، إذا كان نازلا مع أوّل الخطاب، عند قوله: وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، فغير جائز أن يكون ناسخا له، لأنّ النسخ لا يصحّ إلّا بعد التمكّن من الفعل، و غير جائز وجود الناسخ و المنسوخ في خطاب واحد، و إذا كان الجميع مذكورا في خطاب واحد- على ما يقتضيه نسق التلاوة و نظام التنزيل- فغير جائز لأحد إثبات تاريخ الآيتين، و تراخي نزول إحداهما عن الأخرى، إلّا بالنقل الصحيح.
و لا يمكن لأحد دعوى نقل صحيح في ذلك. و إنّما روي ذلك عن الربيع بن أنس، فقال: هو منسوخ بقوله: وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ. و قال قتادة: هو منسوخ بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
قال: و جائز أن يكون ذلك تأويلا منه و رأيا. ثمّ أخذ في نقضه بتفصيل[٢].
و قال ابن كثير:
[٢/ ٥٣١١] روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، في قوله تعالى: وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، قال: إنّها أوّل آية نزلت بالمدينة بشأن القتال، فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقاتل من قاتله، و يكفّ عمّن كفّ عنه، حتّى نزلت آية السيف في براءة.
قال: و كذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم[٣]، حتّى قال: إنّها منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.
قال: و في هذا نظر، لأنّ قوله: الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ إنّما هو تهييج و إغراء بالأعداء الّذين همّتهم قتال الإسلام و أهله. أي كما يقاتلونكم فاقتلوهم أنتم، كما قال: وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما
[١] الطبري ٢: ٢٦٢/ ٢٥٤٢؛ الدرّ ١: ٤٩٤- ٤٩٥؛ الثعلبي ٢: ٨٨؛ البغوي ١: ٢٣٧.
[٢] أحكام القرآن ١: ٢٥٩.
[٣] فيما أخرجه ابن جرير عنه في التفسير ٣: ٢٥٨/ ٢٥٣٠؛ في رواية أبي جعفر عن الربيع؛ أبو الفتوح ٣: ٦٨- ٦٩.