التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٦ - ملحوظة
الآيات: ١٩٠- ١٩٤ من سورة البقرة. فحسبوا فيها تخالفا في ظاهر تعابيرها، حتّى لجأ بعضهم إلى دعوى وقوع نسخ فيها بعضها لبعض، فزعم أنّ آيات متقارنة بعضها نسخ بعضا، مع أنّ الأصل في آيات متقارنة في سورة واحدة، و متناسبة بعضها مع البعض، أنّها نزلت كذلك جميعا؛ و مع ما في هاته الآيات من حروف العطف الآبية من دعوى كون بعضها قد نزلت مستقلّة عن قرينتها، و ليس هنا ما يلجئ إلى دعوى النسخ!؟[١]
قال أبو عبد اللّه القرطبي: للعلماء في قوله تعالى: وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ قولان، أحدهما: أنّها محكمة. و الثاني: أنّها منسوخة.
[٢/ ٥٣٠١] ١- قال مجاهد: الآية محكمة، لا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلّا بعد أن يقاتل.[٢] و به قال طاوس. و هو الّذي يقتضيه نصّ الآية، و هو الصحيح من القولين. و إليه ذهب أبو حنيفة و أصحابه.
[٢/ ٥٣٠٢] و في الصحيح عن ابن عبّاس، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم فتح مكّة: «إنّ هذا البلد حرّمه اللّه يوم خلق السماوات و الأرض، فهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة، و إنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، و لم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة»[٣].
[٢/ ٥٣٠٣] ٢- و قال قتادة: الآية منسوخة بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ[٤].
[٢/ ٥٣٠٤] و قال مقاتل: نسخها قوله تعالى: وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ. ثمّ نسخ هذا قوله:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. فيجوز الابتداء بالقتال في الحرم.
و ممّا احتجّوا به أنّ «براءة» نزلت بعد «البقرة» بسنتين، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دخل مكّة و عليه المغفر[٥]. فقيل: إنّ ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة! فقال: «اقتلوه».
و قال ابن خويزمنداد: وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ منسوخة؛ لأنّ الإجماع قد تقرّر بأنّ العدوّ لو استولى على مكّة و قال: لأقاتلكم و أمنعكم من الحجّ، و لا أبرح من مكّة، لوجب قتاله، و أن
[١] راجع: التحرير و التنوير ٢: ٢٠٠.
[٢] الطبري ٢: ٢٦٢/ ٢٥٢٤؛ الثعلبي ٢: ٨٨.
[٣] القرطبي ٢: ٣٥١؛ ابن كثير ١: ٢٣٣- ٢٣٤.
[٤] التوبة ٩: ٥.
[٥] زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة.