التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٤ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٤
الآخذة بالانهيار. فيعجّل له بالنصر و الظفر على الأعداء، و لأن يعودوا إلى رشدهم بعد ذلك الانكسار.
فجاءهم الوعد: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ.
إنّها لتجربة عميقة جليلة و مرهوبة. و بحاجة إلى صبر و مقاومة عنيفة. و من ثمّ فالنصر حليفهم لا محالة.
و هذا الانطلاق هو المؤهّل للدخول في الرضوان في نهاية المطاف.
و هذا هو الطريق كما يصفه اللّه للجماعة المسلمة الأولى، و للجماعة المسلمة في كلّ جيل.
و هذا هو الطريق: إيمان و جهاد متواصل، و محنة و ابتلاء و صبر و ثبات. و توجّه إلى اللّه وحده، ثمّ يجيء النصر، ثمّ يجيء النعيم، و يذهب البؤس و العناء.
[٢/ ٥٩٣٦] أخرج عبد الرزّاق و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن المنذر عن قتادة في قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ ... قال: نزلت في يوم الأحزاب، أصاب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يومئذ و أصحابه بلاء و حصر، فكانوا كما قال تعالى: وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ[١][٢].
[٢/ ٥٩٣٧] و أخرج عبد الرزّاق عن معمر عن الزهري قال: لمّا كان يوم الأحزاب حصر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه بضع عشرة ليلة، حتّى خلص إلى امرئ منهم الكرب، و حتّى قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- كما قال ابن المسيب-: «اللّهمّ أنشدك عهدك و وعدك، اللّهمّ إنّك إن تشأ لا تعبد»، فبينا هم على ذلك أرسل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى عيينة بن حصن بن بدر: «أ رأيت إن جعلت لك ثلث تمر الأنصار، أ ترجع بمن معك من غطفان، و تخذل بين الأحزاب؟» فأرسل إليه عيينة: إن جعلت لي الشطر فعلت، فأرسل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى سعد بن عبادة و سعد بن معاذ، فقال: «إنّي أرسلت إلى عيينة فعرضت عليه أن
[١] الأحزاب ٣٣: ١٠.
[٢] الدرّ ١: ٥٨٤؛ عبد الرزّاق ١: ٣٣٢/ ٢٥٠؛ الطبري ٢: ٤٦٤/ ٣٢٣٤؛ ابن أبي حاتم ٢: ٣٨٠/ ٢٠٠٤؛ الثعلبي ٢:
١٣٤ و عن السّدّي؛ القرطبي ٣: ٣٣، بلفظ: قال قتادة و السّدّي و أكثر المفسّرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد و الشدّة و الحرّ و البرد و سوء العيش و أنواع الشدائد، و كان كما قال اللّه تعالى:
وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ؛ البغوي ١: ٢٧٢، عن قتادة و السّدّي؛ مجمع البيان ٢: ٦٨؛ التبيان ٢: ١٩٨؛ أبو الفتوح ٣:
١٨٢.