التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٧ - هل بإمكان النظريات العلمية المساعدة على فهم القرآن؟
الآية. و من ثمّ لا يجوز أن يقال عن أيّ فرض من الفروض العلميّة في هذا الموضوع، إنّه المدلول النهائيّ المطابق للآية!
قال: و حسبنا هذا الاستطراد بهذه المناسبة، فقد أردنا به إيضاح المنهج الصحيح في الانتفاع بالكشوف العلميّة في توسيع مدلول الآيات القرآنيّة و تعميقها، دون تعليقها بنظريّة خاصّة أو بحقيقة علميّة خاصّة، تعليق تطابق و تصديق، و فرق بين هذا و ذاك![١].
و قد نقلنا كلامه هنا بكمال، لما فيه من الوفاء بشرائط استخدام النظريّات العلميّة- الموسومة عندهم بالحقائق الراهنة- في فهم القرآن الكريم. و أن لا بأس به ما لم يكن من الحمل المتكلّف فيه و لا أن يكون هناك تعليق قاطع، ما دام العلم في حركة دائبة، لا يتناسب و الكلمة الأخيرة الّتي قالها القرآن الكريم، و صدق اللّه العليّ العظيم.
قوله تعالى: وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها و هذا الشطر من الآية، ترتبط مع عادة جاهليّة كانت سائدة عندهم في مراسيم الحجّ؛ كانوا إذا أحرم الرجل منهم بالحجّ أو العمرة، لم يدخل حائطا و لا بيتا و لا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدر[٢] نقب نقبا في ظهر بيته ليدخل منه و يخرج، أو يتّخذ سلّما فيصعد منه و يهبط، و إن كان من أهل الوبر[٣] خرج من خلف الخيمة و الفسطاط، و لا يدخل و لا يخرج من الباب حتّى يحلّ من إحرامه.
و كانوا يرون ذلك برّا (مرسوما حسنا من مراسيم الحجّ) سوى الحمس، و هم: قريش و كنانة و خزاعة و ثقيف و خيثم و بنو عامر بن صعصعة و بنو نضر بن معاوية، سمّوا حمسا، لتشدّدهم في دينهم، و الحماسة: الشدّة و الصلابة. فكانوا لا يأبهون بذلك و لا يرون الدخول من الأبواب ذمّا، لا في الإحرام و لا في العودة من الأسفار، كما كان الأنصار- في جاهليّتهم- يرونه ذمّا في مطلق الرجعة من السفر.
[٢/ ٥٢٦٠] روى البخاري و مسلم و غيرهما بالإسناد إلى البراء بن عازب، قال: كان الأنصار إذا
[١] في ظلال القرآن، ١: ٢٦٠- ٢٦٣.
[٢] المدر: المدن و الحضر.
[٣] الوبر: صوف الإبل و الأرانب. و أهل الوبر: الّذين يعيشون في الخيم.