التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٤ - سورة البقرة(٢) آية ٢٠٤
تعلم إنّه ليس أحد حولي يبلغ رسولك سلامي فأبلغه سلامي، ثمّ جاء رجل من المشركين يقال له أبو سروعة و معه رمح فوضعه بين ثديي خبيب فقال له خبيب: اتّق اللّه، فما زاده إلّا عتوّا فطعنه فأنفذه، حتّى خرج من ظهره.
و أمّا زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أميّة ليقتله بأبيه أميّة بن خلف الجحمي، ثمّ بعثه مع مولى له يسمّى قسطاس إلى التنعيم ليقتله، فاجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال أبو سفيان لزيد حين قدّم ليقتل: أنشدك اللّه يا زيد أ تحبّ أنّ محمّدا عندنا الآن بمكانك نضرب عنقه و إنّك في أهلك؟ فقال: و اللّه ما أحبّ أن محمّدا الآن بمكانه الّذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، و أنا جالس في أهلي.
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمّد محمّدا، ثمّ قتله قسطاس. فلمّا بلغ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذا الخبر قال لأصحابه: أيّكم يحتمل خبيبا عن خشبته فله الجنّة! قال الزبير بن العوام: أنا يا رسول اللّه و صاحبي المقداد بن الأسود، فخرجا يمشيان بالليل و يكتمان بالنهار، حتّى أتيا التنعيم ليلا فإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام نشاوى فأنزلاه، فإذا هو رطب ينثني لم يتغيّر منه شيء بعد أربعين يوما، و يده على جراحته تخضب دما، اللون لون الدم و الريح ريح المسك، فحمله الزبير على فرسه و سارا، فانتبه الكفّار و قد فقدوا خبيبا، فأخبروا بذلك قريشا، فركب منهم سبعون، فلمّا لحقوهما قذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض، فسمّي بليع الأرض.
فقال الزبير: ما جرّأكم علينا يا معشر قريش، ثمّ رفع العمامة عن رأسه فقال: أنا الزبير بن العوام و أمّي صفيّة بنت عبد المطّلب، و صاحبي المقداد بن الأسود، أسدان رابضان يدفعان عن شبلهما، فإن شئتم ناضلتكم، و إن شئتم نازلتكم، و إن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكّة، و قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جبرئيل عنده فقال: يا محمّد إنّ الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك، فقال رجال من المنافقين في أصحاب خبيب: يا ويح لهؤلاء المقتولين، الّذين هلكوا لا هم قعدوا في بيوتهم و لا هم أدّوا رسالة صاحبهم! فأنزل اللّه في الزبير و المقداد بن الأسود و خبيب و أصحابه المؤمنين