التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٥ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٤
أجعل له ثلث تمركم يكون و يرجع بمن معه من غطفان و يخذل بين الأحزاب، فأبى إلّا الشطر!» فقالا: يا رسول اللّه إن كنت أمرت بشيء فامض لأمر اللّه. قال: «لو كنت أمرت بشيء ما استأمرتكما، و لكن هذا رأي أعرضه عليكما»، قالا: فإنّا لا نرى أن تعطيهم إلّا السيف! قال ابن أبي نجيح قالا:
فو اللّه يا رسول اللّه لقد كان يمرّ في الجاهليّة يجرّ صرمه [سربه][١] في عام السنة[٢] حول المدينة ما يطيق أن يدخلها، فالآن لمّا جاء اللّه بالإسلام نعطيهم ذلك!؟[٣]
[٢/ ٥٩٣٨] و قال عبد الرزّاق: قال معمر: قال الزّهري: قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فنعمّا إذا»، فبينما هم كذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي و كان يأمنه الفريقان جميعا، و كان موادعا، فقال: إنّي كنت عند عيينة و أبي سفيان إذ جاءتهم رسل بني قريظة، أن أثبتوا فإنّا سنحالف المسلمين إلى بيضتهم[٤] فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فلعلّنا أمرناهم بذلك»، و كان نعيم رجلا لا يكتم الحديث، فقام بكلمة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فجاء عمر فقال: يا رسول اللّه، إن كان هذا أمر من أمر اللّه فامضه، و إن كان رأيا منك فشأن بني قريظة و قريش أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «عليّ الرّجل ردّوه»، فردّوه. فقال: انظر الّذي ذكرناه لك فلا تذكره لأحد، فكأنّما أغراه به، فانطلق حتّى أتى عيينة و أبا سفيان، فقال: هل سمعتم محمّدا يقول قولا إلّا كان حقّا، قالوا: لا، قال: فإنّي لمّا ذكرت له شأن بني قريظة، قال: فلعلّنا أمرناهم بذلك، فقال أبو سفيان: سنعلمكم بذلك إن كان مكرا. فأرسل إلى بني قريظة: إنّكم قد أمرتمونا أن نثبت، و أنّكم ستحالفون المسلمين إلى بيضتهم، فأعطونا بذلك رهينة، قالوا: إنّها قد دخلت ليلة السبت و إنّا لا نقضي في السبت شيئا، قال أبو سفيان: أنتم في مكر من بني قريظة، فارتحلوا، فأرسل اللّه عليهم الريح، و قذف في قلوبهم الرعب، فأطفأت نيرانهم، و قطعت أرسان[٥] خيولهم و انطلقوا منهزمين، من غير قتال. قال: فذلك حين قال اللّه تعالى: وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً[٦]. قال: فندب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أصحابه في طلبهم، فطلبوهم حتّى بلغوا حمراء الأسد، ثمّ رجعوا. قال: فوضع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنه لامته و اغتسل و استجمر، فناداه جبريل:
[١] الصّرم: جماعة البيوت. و السّرب: القطيع من الإبل و البقر و الشاة و غيرها.
[٢] أي عام المجاعة.
[٣] عبد الرزّاق ١: ٣٣٢- ٣٣٣/ ٢٥١.
[٤] البيضة: أصل القوم و مجتمعهم، و المعنى: سنضمّ إليهم و نتآلف معهم.
[٥] جمع رسن: الحبل و الزمام.
[٦] الأحزاب ٣٣: ٢٥.