التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩
و هو إله عادل حكيم، فقوّته و قدرته ضمان من الظلم، و ضمان من الهوى، و ضمان من البخس. و ليس كآلهة الوثنيّة و الجاهليّة ذوات النزوات و الشهوات. و من ثمّ يأوي المسلم من إلهه إلى ركن شديد، ينال فيه العدل و الرعاية و الأمان.
و هو ربّ رحيم ودود. منعم وهّاب. غافر الذنب و قابل التوب. يجيب المضطرّ إذا دعاه و يكشف السوء. فالمسلم في كنفه آمن آنس، سالم غانم، مرحوم إذا ضعف، مغفور له متى تاب.
و هكذا يمضي المسلم مع صفات ربّه الّتي يعرّفه بها الإسلام؛ فيجد في كلّ صفة ما يؤنس قلبه، و ما يطمئنّ روحه، و ما يضمن معه الحماية و الوقاية و العطف و الرحمة و العزّة و المنعة و الاستقرار و السّلام.
كذلك يفيض السّلام على قلب المسلم من صحّة تصوّر العلاقة بين العبد و الربّ. و بين الخالق و الكون. و بين الكون و الإنسان. فاللّه خلق هذا الكون بالحقّ؛ و خلق كلّ شيء فيه بقدر و حكمة.
و هذا الإنسان مخلوق قصدا، و غير متروك سدى، و مهيّأ له كلّ الظروف الكونيّة المناسبة لوجوده، و مسخّر له ما في الأرض جميعا. و هو كريم على اللّه، و هو خليفته في أرضه. و اللّه معينه على هذه الخلافة. و الكون من حوله صديق مأنوس، تتجاوب روحه مع روحه، حين يتّجه كلاهما إلى اللّه ربّه. و هو مدعوّ إلى هذا المهرجان الإلهي المقام في السماوات و الأرض ليتملّاه و يأنس به. و هو مدعوّ للتعاطف مع كلّ شيء و مع كلّ حيّ في هذا الوجود الكبير، الّذي يعجّ بالأصدقاء المدعوّين مثله إلى ذلك المهرجان! و الّذين يؤلّفون كلّهم هذا المهرجان!
و العقيدة الّتي تقف صاحبها أمام النبتة الصغيرة، و هي توحي إليه أنّ أجرا حين يرويها من عطش، و حين يعينها على النماء، و حين يزيل من طريقها العقبات. هي عقيدة جميلة فوق أنّها عقيدة كريمة. عقيدة تسكب في روحه السّلام؛ و تطلقه يعانق الوجود كلّه و يعانق كلّ موجود؛ و يشيع من حوله الأمن و الرفق، و الحبّ و السّلام.
و الاعتقاد بالآخرة يؤدّي دوره الأساسي في إفاضة السّلام على روح المؤمن و عالمه؛ و نفي القلق و السخط و القنوط. إنّ الحساب الختامي ليس في هذه الأرض؛ و الجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة. إنّ الحساب الختامي هناك؛ و العدالة المطلقة مضمونة في هذا الحساب. فلا ندم على