التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧١ - سورة البقرة(٢) الآيات ٢٠٨ الى ٢٠٩
صدام و لا خصام، و لا تبديد للجهد و لا بعثرة للطّاقة. و قوى الكون كلّه تتجمّع إلى قوّته، و تهتدي بالنور الّذي يهتدي به، و تتّجه إلى اللّه و هو معها يتّجه إلى اللّه.
و التكاليف الّتي يفرضها الإسلام على المسلم كلّها من الفطرة و لتصحيح الفطرة. لا تتجاوز الطاقة؛ و لا تتجاهل طبيعة الإنسان و تركيبه؛ و لا تهمل طاقة واحدة من طاقاته لا تطلقها للعمل و البناء و النماء؛ و لا تنسى حاجة واحدة من حاجات تكوينه الجثماني و الروحي لا تلبّيها في يسر و في سماحة و في رخاء. و من ثمّ لا يحار و لا يقلق في مواجهة تكاليفه. يحمل منها ما يطيق حمله، و يمضي في الطريق إلى اللّه في طمأنينة و روح و سلام.
و المجتمع الّذي ينشئه هذا المنهج الربّاني، في ظلّ النظام الّذي ينبثق من هذه العقيدة الجميلة الكريمة، و الضمانات الّتي يحيط بها النفس و العرض و المال. كلّها ممّا يشيع السلم و ينشر روح السّلام.
هذا المجتمع المتوادّ المتحابّ المترابط المتضامن المتكافل المتناسق. هذا المجتمع الّذي حقّقه الإسلام مرّة في أرقى و أصفى صوره. ثمّ ظلّ يحقّقه في صور شتّى على توالي الحقب، تختلف درجة صفائه، و لكنّه يظلّ في جملته خيرا من كلّ مجتمع آخر صاغته الجاهليّة في الماضي و الحاضر، و كلّ مجتمع لوّثته هذه الجاهليّة بتصوّراتها و نظمها الأرضية!
هذا المجتمع الّذي تربطه آصرة واحدة- آصرة العقيدة- حيث تذوب فيها الأجناس و الأوطان، و اللّغات و الألوان، و سائر هذه الأواصر العرضيّة الّتي لا علاقة لها بجوهر الإنسان.
هذا المجتمع الّذي يسمع اللّه يقول له: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[١].
[٢/ ٥٨٦٩] و الّذي يرى صورته في قول النبيّ الكريم: «مثل المؤمنين في توادّهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى»[٢].
هذا المجتمع الّذي من آدابه: وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها[٣]. وَ لا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ[٤]. ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
[١] الحجرات ٤٩: ١٠.
[٢] مسند أحمد ٤: ٢٧٠؛ مسلم ٨: ٢٠.
[٣] النساء ٤: ٨٦.
[٤] لقمان ٣١: ١٨.